وخالط بعضه بعضا من كثرته وتكاثفه ، أو نجع في النبات حتى روى ورف وعلى هذا كان حقه فاختلط بنبات الأرض . لكن لما كان كل من المختلطين موصوفا بصفة صاحبه عكس للمبالغة في كثرته
فَأَصْبَحَ هَشِيماً
مهشوما مكسورا
تَذْرُوهُ الرِّياحُ
تفرقه .
وقرىء « تذريه » من أذرى والمشبه به ليس الماء ولا حاله بل الكيفية المنتزعة من الجملة وهي حال النبات المنبت بالماء يكون أخضر وارفا ثم هشيما تطيره الرياح فصير كأن لم يكن
وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ
من الإنشاء والإفناء
مُقْتَدِراً
( 45 ) قادرا
الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا
يتزين بها الإنسان في دنياه وتفنى عنه عما قريب
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ
وأعمال الخيرات تبقى له ثمرتها أبد الآباد ، ويندرج فيها ما فسرت به من الصلوات الخمس وأعمال الحج وصيام رمضان وسبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر والكلام الطيب .
خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ
من المال والبنين
ثَواباً
عائدة
وَخَيْرٌ أَمَلًا
( 46 ) لأن صاحبها ينال بها في الآخرة ما كان يأمل بها في الدنيا
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ
واذكر يوم نقلعها ونسيرها في الجو ، أو نذهب بها فنجعلها هباء منبثا . ويجوز عطفه على
« عِنْدَ رَبِّكَ »
أي الباقيات الصالحات خير عند اللّه ويوم القيامة .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر « تسير » بالتاء والبناء للمفعول . وقرىء « تسير » من سارت .
وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً
بادية برزت من تحت الجبال ليس عليها ما يسترها .
شرح
« كماء » مفعولا ثانيا . قوله : ( أو نجع في النبات ) أي نفذ فتكون الباء فيه للتعدية لا للسببية ، لأن الماء لرقته هو الذي ينفذ في النبات ولا ينفذ النبات في الماء ، فكان حق العبارة فاختلط بنبات الأرض ونجع فيه يقال : نجع فيه الدواء إذا نفعه ونجع الطعام إذا هنىء . ورف النبات رفيفا إذا اهتز نضارة وتلألأ . قوله : ( مهشوما ) من الهشم وهو كسر الشيء اليابس . والهشيم من النبات اليابس المتكسر . قوله : ( من الصلوات الخمس الخ ) عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما رضي اللّه عنهم : أن الباقيات الصالحات الصلوات الخمس وهي الحسنات يذهبن السيئات . وعن سعيد بن جبير : أنها الصلوات الخمس والجمعة ورمضان إلى رمضان والحج إلى الحج . وعن الضحاك : أنها الفرائض . وفي رواية عن ابن عباس : أنها الكلام الطيب .
وفي رواية عنه : أنها جميع الأعمال الحسنة فإن جميعها باقيات لبقاء أجرها ونفعها ، وسميت صالحات لانتفاء الفساد عنها . وعن أنس بن مالك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال لجلسائه : « خذوا جنتكم » . قالوا : أحضر عدو قال : « جنتكم من النار قولوا سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم فإنهن المقدمات وهن المعقبات وهن الباقيات الصالحات » . وعن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن عجزتم عن الليل أن تكابدوه وعن العدو أن تجاهدوه فلا تعجزوا عن قول سبحانه اللّه والحمد للّه ولا للّه إلا اللّه