وقرىء « وترى » على بناء المفعول
وَحَشَرْناهُمْ
وجمعناهم إلى الموقف . ومجيئه ماضيا بعد « نسير » و « ترى » لتحقيق الحشر ، أو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير ليعاينوا ويشاهدوا ما وعد لهم وعلى هذا تكون الواو للحال بإضمار « قد » .
فَلَمْ نُغادِرْ
فلم نترك
مِنْهُمْ أَحَداً
( 47 ) يقال : غادره واغدره إذا تركه . ومنه الغدر لترك الوفاء ، والغدير لما غادره السيل . وقرىء بالياء
وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ
تشبيه حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان لا ليعرفهم بل ليأمر فيهم
صَفًّا
مصطفين لا يحجب أحد أحدا
لَقَدْ جِئْتُمُونا
على إضمار القول على وجه يكون حالا أو عاملا في « يوم نسير »
كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
عراة لا شيء معكم من المال والولد لقوله :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى
[ الأنعام : 94 ] أو أحياء كخلقتكم الأولى لقوله :
بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً
( 48 ) وقتالا نجاوز الوعد بالبعث والنشور وأن الأنبياء كذبوكم به . و « بل » للخروج من قصة إلى أخرى .
شرح
واللّه أكبر فقولوها فإنهن الباقيات الصالحات » . قوله : ( لا يحجب أحد أحدا ) إشارة إلى أن اصطفافهم عبارة عن ظهورهم متميزين بحيث يرى جماعتهم كما يرى كل واحد . وقوله تعالى :صَفًّاحال من مرفوععُرِضُواوهو في الأصل مصدر يقال : صف صفا . ثم يطلق على جماعة المصطفين . واختلف في « صفا » هنا هل هو مفرد وقع موقع الجمع ؟
والمراد صفوف بدليل ما ورد في الحديث الصحيح وهو أنه « يجمع اللّه الأولين والآخرين في صعيد واحد صفوفا » . وفي حديث « آخر أهل الجنة مائة وعشرون صفا أنتم منها ثمانون صفا » ونظيره في وقوع المفرد موقع الجمع قوله تعالى :ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا[ غافر : 67 ] أي أطفالا . وقيل : بل الخلائق يكونون صفا واحدا وهو أبلغ في القدرة . وأما الحديثان فيحملان على اختلاف الأحوال يوم القيامة لأنه طويل مقداره خمسون ألف سنة فتارة يكونون فيه صفا واحدا وتارة صفوفا . وقيل : صفّا هنا معناه قياما لقوله تعالى :فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ[ الحج : 36 ] أي قياما . قوله : ( على وجه يكون حالا ) أي عرضوا . وقد قيل لهم :لَقَدْ جِئْتُمُوناأو عاملا فييَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَأي نقول لهم يوم نسير الجبال لقد جئتمونا كما خلقناكم . وليس المراد تشبيه حال البعث من القبور بحال النشأة الأولى من كل وجه لأنهم خلقوا صغارا لا عقل لهم ولا قدرة بل المراد تقريع المشركين المنكرين للبعث المفتخرين على فقراء المسلمين المؤمنين بالأموال والأعوان بأن يقال لهم : لقد جئتم حفاة بغير أموال ولا أعوان ولقد بعثتم وشاهدتم أن البعث والقيامة حق واقع كما وقع خلقكم أول مرة .
قوله : ( ويل للخروج من قصة إلى أخرى ) يعني أن الإضراب ههنا ليس لإبطال القصة الأولى بل للانتقال إلى ما هو أهم منها . فإنه تعالى لما بيّن خساسة الدنيا بتمثيل حالها بحال النبات