ويجوز أن يكون « الحق » خبر مبتدأ محذوف و « من ربكم » حالا .
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
لا أبالي بإيمان من آمن ولا كفر من كفر ، وهو لا يقتضي استقلال العبد بفعله فإنه وإن كان بمشيئته فمشيئته ليست إلا بمشيئة .
إِنَّا أَعْتَدْنا
هيأنا
لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها
فسطاطها . شبه به ما يحيط بهم من النار . وقيل :
شرح
القول . ووجه ارتباط الآية بما قبلها أنه تعالى لما أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن لا يلتفت إلى أولئك الأغنياء الذين قالوا : إن طردت الفقراء من عندك وخليت لنا مجلسك نؤمن بك ونجلس معك ، أمره بعد ذلك بأن يقول لهؤلاء : الحق ما يكون من عند اللّه لا ما يقتضيه الهوى فإن خالفتم أهواءكم وقبلتم الحق الذي جاءكم من عند اللّه أصبتم وعاد نفعه عليكم ، وإن لم تقبلوه عاد ضرره عليكم ولا مدخل في إصابة الحق والاهتداء به لكون أهل مجلسكم فقراء أو أغنياء خاملين أو مشهورين بالعزة والجاه . ثم إنه تعالى رتب عليه وعيد من كابر عقله وعاند ربه وترك الحق الصريح ووعد من أذعن للحق وآمن وعمل بمقتضاه بقوله :فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْوعلل ذلك بقوله :إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراًإلى آخر الآيات .
قوله : ( ويجوز أن يكون الحق خبر مبتدأ محذوف ) نحو هذا الحق أو الذي آتيتكم به الحق كائنا من ربكم . والحق ، هو العامل في الظرف والمبتدأ المقدر عبارة عما ذكر من أول السورة إلى هنا أو عما أوحي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وأيا ما كان يكون قوله تعالى :وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْكالفذلكة لما ذكر من مفتتح السورة ، أو لجميع ما جاء به عليه الصلاة والسّلام ، ثم رتب ما بعده عليه بالفاء . فالمعنى : ما جئتكم به من حديث الكتاب القيم المعرى عن كل الاعوجاج الظاهر الإعجاز الكاشف عن المغيبات المحتوى على مكارم الأخلاق المزيح للعلل والأعذار المزيل للريب والشبهات حق كائن من الرب العزيز الحكيم .
قوله : ( وهو لا يقتضي استقلال العبد بفعله ) جواب عن قول المعتزلة : إن قوله :فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْصريح في أن الإيمان والكفر والطاعة والمعصية مفوّض إلى العبد واختياره ، فمن أنكر ذلك فقد خالف صريح القرآن . وتقرير الجواب : صريح الآية وصريح العقل أيضا وإن دل على أن نحو الإيمان والكفر وسائر الأفعال الاختيارية يمتنع حصوله بدون مشيئة العبد وقصده إليه واختياره له إلا أن تلك المشيئة والقصد ليست بمشيئة أخرى سابقة عليها ، وإلا لزم أن يكون كل قصد ومشيئة مسبوقا بقصد آخر إلى غير نهاية وهو محال ، فوجب انتهاء ذلك القصد إلى قصد واختيار يخلقه اللّه تعالى من غير قصد سابق عليه ، وإذا توقف فعل العبد على ذلك القصد الذي لا مدخل له فيه فكيف يصح أن يقال : إن العبد مستقل في فعله بل يجب القول بأن الكل من عند اللّه .
قوله : ( شبه به ما يحيط بهم من النار ) فتكون الإضافة في سرادقها بمعنى « من » كما