لم نسمه بذكرنا كقلوب الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان . واحتجوا على أن المراد ليس ظاهر ما ذكر أولا بقوله :
وَاتَّبَعَ هَواهُ
وجوابه ما مر غير مرة . وقرىء « أغفلنا » بإسناد الفعل إلى القلب على معنى حسبنا قلبه غافلين عن ذكرنا إياه بالمؤاخذة .
وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً
( 28 ) أي تقدما على الحق ونبذا له وراء ظهره . يقال : فرس فرط أي متقدم للخيل ومنه الفرط .
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ
الحق ما يكون من جهة اللّه لا ما يقتضيه الهوى .
شرح
أي ما وجدناكم جبناء ولا بخلاء ولا مقحمين ، فإن الهمزة فيه للوجدان ، فكذا في الآية . ويحتمل أن تكون الهمزة في هذه الأفعال لنسبة الفاعل إلى أصل الفعل فكذا في الآية .
واحتجوا على أن بناء الأفعال في الآية ليس للإيجاد والتكوين لقوله تعالى بعده :وَاتَّبَعَ هَواهُفإنه لو كان المعنى أو جدنا الغفلة في قلبه حقيقة لكان المناسب أن يقال : فابتع هواه ليدل على أن الإغفال سبب في الأتباع ، فلذا أسند الأتباع إلى شهوتهم لا إلى مشيئة اللّه .
وقد مر مرارا أن القدرة المؤثرة ليس إلا اللّه تعالى فلذلك قال :قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ[ النساء : 78 ] وأن العبد له قدرة كاسبة يصح إسناد أفعاله الاختيارية إليه بسببها والعامة قرأوا « من أغفلنا قلبه » بإسناد الفعل إلى المتكلم المعظم نفسه ونصب « قلبه » على أنه مفعول به وقرىء « أغفلنا قلبه » بفتح اللام ورفع « قلبه » على الفاعلية على معنى حسبنا قلبه غافلين من أغفلته إذا وجدته غافلا . دلت الآية على أن أشر أحوال الإنسان أن يكون قلبه خاليا عن ذكر الحق ويكون مملوءا من الهوى الداعي إلى الاشتغال بالخلق . قوله : ( أي تقدما على الحق ) يعني أن أصل الكلمة ينبئ عن العجلة والسبق يقال : فرط منه قول قبيح أي سبق ، وفرس فرط أي سريعة تتقدم الخيل . وفي الصحاح : فرط عليه أي عجل وعدا ومنه قوله تعالى :إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى[ طه : 54 ] وفرط عليه سبق وفرطت القوم أفرطهم فرطا أي سبقتهم إلى الماء فأنا فارط ، والجمع فراط . وفراط القطع من الغنم متقدماتها إلى الوادي والماء ، وأفرط في الأمر أي جاوز فيه الحد ، والاسم منه الفرط بالتسكين ، والفرط بالتحريك الذي يتقدم الواردة لهيىء لهم الأرشية والدلاء ويمدر الحياض ويستقي لهم ، وهو فعل بمعنى فاعل مثل تبع بمعنى تابع ، ومنه قيل للطفل الميت : اللهم اجعله لنا فرطا أي أجرا يتقدمنا ، وأمر فرط أي مجاوز فيه الحد ومنه قوله تعالى :وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً[ الكهف : 28 ] إلى هنا كلام الجوهري . فالفرط على قوله فعل بمعنى المفعول والمعنى : لا تطع من كان أموره التي يلابسها مجاوزا فيها الحد والحق بحيث كان نابذا له وراء ظهره .
قوله : ( ومنه الفرط ) يجوز أن تكون الفاء فيه مفتوحة والراء ساكنة وأن تكونا مفتوحتين .
قوله : ( الحق ما يكون من جهة اللّه ) يعني أن « الحق » مبتدأ و « من ربك » خبره والجملة مقول