وَاذْكُرْ رَبَّكَ
مشيئة ربك وقل : إن شاء اللّه . كما روي أنه لما نزل قال عليه الصلاة والسّلام : « إن شاء اللّه » .
إِذا نَسِيتَ
إذا فرط منك نسيان لذلك ثم تذكرته . وعن ابن
شرح
وجه لشيء منهما . أما الأول فلأن المشيئة المقترنة بالفعل سواء كانت مشيئة الفعل بالفعل توجب الفعل ولا تنافيه حتى يصح استثناؤه من قوله :إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَبكل حال ومشيئة اللّه تعالى بترك الفعل لا يمكن اقترانها بفعل العبد حتى يصح استثناؤها منه . وأما الثاني فلأنه لو كان المرادإِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداًبكل حال إلا في حال أن تعترض مشيئة اللّه تعالى بترك الفعل لأفاد كون هذا القول منهيا عنه ، ولا وجه لأن ينهى العبد عن أن يقول :إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَفيما يستقبل إلا أن يشاء اللّه تعالى مني ترك الفعل ، لأن تمكن العبد من الفعل متوقف على انتفاء مشيئة الترك فكيف ينهي عن تقييد الفعل بانتفائها وتعليقه عليه ؟ فلما امتنع تعلقه بقوله :إِنِّي فاعِلٌتعيّن تعلقه بالنهي على أحد الوجهين : نهي اللّه تعالى عن أن يعد الإنسان عدة ولا يستثني فيها لأن العدة إضافة الفعل إلى نفسه ، وهو لا يستقل في أفعاله فلذلك أمر بأن يلحق الاستثناء بها لئلا يلحقه معرة الخلف في الوعد إذا لم يفعل ما وعد فقول الواعد : إن شاء اللّه يدفع عنه حنث خلف الوعد على تقدير عدم وفائه بعهده ، لأن إرادة اللّه تعالى لا يقدر العبد على إيقاعها فلا يخنث بتركه . إلا أنهم اختلفوا في أن الاستثناء هل يجب أن يكون متصلا بما قبله في اللفظ لدفع الحنث أو لا يجب ؟ فذهب ابن عباس ومن تبعه إلى أنه لا يجب أن يكون متصلا به حتى إذا نسي أن يقول إن شاء اللّه ثم تذكر بعد سنة وقاله كفى في دفع الحنث . واحتج عليه بقوله تعالى :وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ[ الكهف : 24 ] وذلك لأن الظاهر أنه كلام متصل بما قبله والتقدير : إنه إذا نسي أن يقول إن شاء اللّه فليذكره إذا تذكر ، وقوله :وَاذْكُرْغير مختص بوقت معين بل يتناول جميع الأوقات فوجب أن يكون دافعا للحنث في أي وقت ذكره . واعلم أن استدلال ابن عباس ظاهر في أن الاستثناء لا يجب أن يكون متصلا . وأما الفقهاء فقالوا : إنّا لو جوّزنا ذلك لزم أن لا يستقر شيء من العهود والإيمان . حكي أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة خالف ابن عباس في الاستثناء المنفصل فاستحضره لينكر عليه فقال له أبو حنيفة : هذا يرجع عليك فإنك تأخذ البيعة بالإيمان كما يقول المبايع : أبايعك على السمع والطاعة ، ثم يؤكدها بالإيمان بأن يقول : واللّه لا أخرج من هذه البيعة . فلو جاز انفصال الاستثناء لجاز أن يخرج من عندك ويستثني بأن يقول إلا زمان كذا أو لأمر كذا أو أن يفعل كذا .
فاستحسن المنصور كلامه ورضي عنه . قال الإمام : حاصل كلامهم يرجع إلى تخصيص النص بالقياس وفيه ما فيه . وأيضا فلو قال : إن شاء اللّه تعالى في نفسه خفية بلسانه بحيث لم يسمعه أحد فهو معتبر ودافع للحنث بالإجماع مع أن المحذور الذي ذكروه