تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
وقدّم سؤال النسوة وفحص حاله ليظهر براءة ساحته ويعلم أنّه سجن ظلما فلا يقدر الحاسد أن يتوسل به إلى تقبيح أمره . وفيه دليل على أنه ينبغي أن يجتهد في نفي التّهم ويتّقى مواقعها . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة » . وإنما قال :
فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ
ولم يقل فاسأله أن يفتّش عن حالهن تهييجا له على البحث وتحقيق الحال . وإنما لم يتعرض لسيّدته مع ما صنعت به كرما ومراعاة للأدب . وقرىء « النسوة » بضم النون
إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ
( 50 ) حين قلن
شرح
قال :ائْتُونِي بِهِفعاد الشرابي إلى يوسف عليه الصلاة والسّلام فقال : أجب الملك . فأبى يوسف عليه الصلاة والسّلام أن يخرج من السجن إلا بعد أن يتفحص الملك عن حاله مع النسوة لتنكشف حقيقة الحال وبراءته مما أسند إليه من الخيانة في حق العزيز وأهله ليظهر كمال عقله وصبره ووقاره . فإن من بقي في السجن اثنتي عشرة سنة إذا طلبه الملك وأمر بإخراجه ولم يبادر إلى الخروج وصبر إلى أن تتبين براءته دل ذلك على براءته من جميع أنواع التهم وعلى أن كل ما قيل كان كذبا وبهتانا . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه ستحسن حزم يوسف وصبره حين دعاه الملك فلم يبادر إلى الخروج حيث قال : « لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره دعاه الملك فلم يبادر واللّه يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما خبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوني . ولقد عجبت حين أتاه الرسول فقال :ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِالآية ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب وما ابتغيت العذر أنه كان حليما ذا أناة » . قوله عليه الصلاة والسّلام واللّه يغفر له ونحوه مقدمة تذكر أمام المقصود تعظيما لمن قيل له ذلك وتوقيرا له وهو كما تقول لمن تعظمه عفا اللّه عنك ما صنعت في أمري . قوله : ( وإنما قال فاسأله ) يعني أنه عليه الصلاة والسّلام أمر الرسول بأن يسأل الملك عن شأن النسوة وحالهن ولم يأمره بأن يسأل الملك أن يفتش عن حالهن ، مع أن المقصود ذلك لكون الطريق الذي آثره أبلغ في إفادة هذا المقصود وذلك لأن فعل السؤال علق بكلمة « ما » التي يستكشف بها حقيقة الشيء فإذا قلت : سألته ما الإنسان كان معناه طلبت منه أن يبين لي ماهية الإنسان وحقيقته ، وإذا قلت سألته الخبر كان المعنى طلبت منه أن يعطيني الخبر . فلما قال :فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِفقد أمره أن يطلب من الملك كشف حقيقة حالهن وهذا الطلب يحمل الملك على التفتيش عن حالهن من حيث إن الإنسان حريص على الاطلاع على حقيقة الشيء ويستنكف عن أن ينسب إلى الجهل بها ، فلا جرم إذا سئل عنها يبذل جهده في التفتيش عنها وتحصيل العلم بها بخلاف ما لو قيل : فاسأله أن