تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ
يمطرون من الغيث أو يغاثون من القحط من الغوث .
وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
( 49 ) ما يعصر كالعنب والزيتون لكثرة الثمار . وقيل : يحلبون الضروع . وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على تغليب المستفتى وقرىء على بناء المفعول من عصره إذا أنجاه . ويحتمل أن يكون المبني للفاعل منه أي يغيثهم اللّه ويغيث بعضهم بعضا أو من أعصرت السحابة عليهم فعدّى بنزع الخافض أو بتضمينه معنى المطر . وهذه بشارة بشرهم بها بعد أن أوّل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة والعجاف واليابسات بسنين مجدبة وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة ، ولعله علم ذلك بالوحي أو بأن انتهاء الجدب بالخصب أو بأن السنّة الإلهية على أن يوسع على عباده بعد ما ضيّق عليهم .
وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ
بعد ما جاءه الرسول بالتعبير
فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ
ليخرجه
قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ
إنما تأنّى في الخروج
شرح
قوله : ( يغاث الناس ) معناه يمطرون ويسقون الغيث . ويجوز أيضا أن تكون ألفها مبدلة من الواو على أن تكون من الغوث الذي هو الفرج وزوال الهم والكرب وعلى هذا يكون فعله رباعيا يقال : استغاث اللّه تعالى فأغاثه أي أنقذه من الكرب الذي فيه وهو القحط في قصة الرؤيا . قوله : ( من الغيث ) أي يجوز أن تكون ألف يغاث مقلوبة من الياء على أن يكون مشتقا من الغيث الذي هو مصدر قولك : غاث اللّه البلاد يغيثها غيثا إذا أنزل بها الغيث وهو المطر وقد غيثت الأرض تغاث إذا مطرت . قوله : ( أو من أعصرت السحابة ) أي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر على أن يكون همزة افعل فيه كما في احصد الزرع . فإن قرىء « يعصرون » على بناء المفعول على أن يكون من أعصرت السحابة فلا بد من أحد التأويلين ، لأن اعصر بهذا المعنى لا يتعدى حيث يسند إلى المفعول القائم مقام الفاعل . قوله : ( ولعله عليه الصلاة والسّلام علم ذلك بالوحي ) وذلك لأن رؤيا الملك إنما تدل على أن كل واحد من السنين المخصبة والمجدبة سبع ، وأن السنين المجدبة يأكلن ما جمع في السنين المخصبة وليس فيها ما يدل على أن حال السنة التي تأتي بعد انقضاء تلك السنين المذكورة ما هي ، فتعين أنه عليه الصلاة والسّلام ما علم ذلك إلا بالوحي ويجوز أن يعلمه من الرؤيا بناء على أن الملك لما رأى أن العجاف سبع دل ذلك على أن السنين المجدبة لا تزيد على هذا العدد . ومن المعلوم أن الحاصل بعد انتهاء زمان القحط ليس إلا زمان الخصب بحكم أن العالم لا يخلو عن أحد الضدين أو بحكم أن سنة اللّه جرت على أن يوسع على عباده بعد ما ضيق عليهم . ثم إن الشرابي لما عرض على الملك التعبير الذي ذكره يوسف عليه الصلاة والسّلام