والجملة اعتراض ومقول القول
أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ
( 45 ) أي إلى من
شرح
قالوا : إن رؤيا الملك من قسم الأضغاث ثم أخبروا أنهم غير عالمين بتعبير هذا القسم فكأنهم قالوا : هذه الرؤيا مختلطة من أشياء كثيرة وما كان كذلك فنحن لا نهتدي إلى تعبيره . وفيه إيهام أن الكامل في هذا العلم والمتجر فيه يهتدي إلى تعبير مثلها فقوله :وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَيكون بهذا الاعتبار كأنه مقدمة ثانية للعذر في جهلهم بتعبيرها كأنهم قالوا : هذه الرؤيا من قبيل أضغاث الأحلام وما نحن بمتجرين في علم التعبير فلا نهتدي إلى تعبيرها . واعلم أن الملك لما رأى ما رآه من الرؤيا قلق واضطرب بسبب أنه شاهد أن الناقص الضعيف استولى على الكامل القوي فشهدت فطرته بأن هذه الرؤيا صورة شر عظيم يقع في المملكة ، إلا أنه ما عرف كيفية الحال فيه فاشتاق ورغب في تحصيل المعرفة بتعبير رؤياه فجمع أعيان مملكته من العلماء والحكماء فقال لهم : يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي . ثم إنه تعالى أعجز هؤلاء الذين حضروا عنده عن جواب هذه المسألة وعماه عليهم ليصير ذلك سببا لخلاص يوسف عليه الصلاة والسّلام من الحبس لأن شأنه تعالى إذا أراد أمرا هيأ أسبابه . فلما اعترف الحاضرون بالعجز عن الجواب جثى الشرابي بين يدي الملك فقال :أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِفقال الملك : وما يدريك يا غلام فلست بكاهن ولا معبر ؟ فقص عليه ما جرى له مع الخباز من أنهما رأيا في السجن منامين وأخبر كل واحد برؤياه رجلا مسمى بيوسف وطلب منه تعبير رؤياه فعبرها وصدق في جميع ما وصف له ولم يسقط من تعبيره شيء ، فإن أذنت مضيت إليه وأتيتك من قبله بتعبير هذه الرؤيا ، وهو قوله تعالى :وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُماو « ادكر » بدال مهملة مشددة وهي قراءة العامة أصله « إذتكر » وهو افتعل من الذكر فوقعت تاء الافتعال بعد الذال فأبدلت دالا فاجتمع متقاربان فأبدل أولهما بجنس الثاني وأدغم . وقول المصنف : « تذكر يوسف » ليس بيانا لأصل الكلمة وإلا لقيل : « وادكر » بتشديد الدال والكاف . وقرأ الجمهور « بعدامة » بضم الهمزة وتشديد الميم وتاء منونة وهي المدة الطويلة الحاصلة من اجتماع الأمم الكثيرة كما أن الأمة إنما تحصل من اجتماع الجمع العظيم فالمدة الطويلة كأنها أمة من الأيام والساعات . وقرىء « بعد أمه » بفتح الهمزة والميم الخفيفة والهاء المنونة من الأمة وهو النسيان يقال : أمه يأمه أمها وأمها بفتح الميم وسكونها . قوله : ( والجملة اعتراض ) ويجوز أن تكون حالا من الموصول وأن تكون معطوفة على « نجا » . ثم إن الشرابي قرر الرؤيا وقد تختلف بسبب اختلاف اللفظ كما هو المذكور في علم التعبير . ثم إنه عليه الصلاة والسّلام ذكر تعبير تلك الرؤيا فقال :تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَوهو خبر بمعنى الأمر كقوله تعالى :وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ[ البقرة : 228 ] وقوله :وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ[ البقرة : 233 ]