إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
إلا تكذيب الأولين الذين هم أمثالهم في الطمع كعاد وثمود وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك واستوجبوا الاستئصال على ما مضت به سنتنا وقد قضينا أن لا نستأصلهم لأن فيهم من يؤمن أو يلد من يؤمن . ثم ذكر بعض الأمم المهلكة بتكذيب الآيات المقترحة فقال :
وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ
بسؤالهم
شرح
بالكلية وهو المراد من الإهلاك ، وإما العذاب الشديد من قتل كبرائهم وتسليط المسلمين عليهم بالسبي واغتنام الأموال وأخذ الجزية ، فتصير القرى كلها في حكم أهل الإسلام على ما قال بعض أهل التأويل في قوله تعالى :أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها[ الرعد : 41 ] لا يزال ينقص أهل الكفر قرية فقرية وبلدة فبلدة حتى تصير الأرض كلها لأهل الإسلام وهو ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ريئت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما رؤي لي منها » فذلك ، واللّه أعلم ، تأويل قوله تعالى :إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداًأي نهلك أهل الكفر . ويحتمل أن يكون المراد من الآية أنه يفنى جميع من كان على وجه الأرض ويجعل الأرض مستوية لا بناء فيها ولا ارتفاع حيث قال :كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ[ الرحمن : 26 ] وقال :وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً[ طه : 105 - 107 ] وقال :وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا[ الواقعة : 5 ، 6 ] ونحو ذلك وجميع ذلك يدل على أنه لا يبقى عليها أحد ولا بناء فتصير كلها صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا فذلك هلاكها . واللّه أعلم كذا في شرح التأويلات .
قوله : ( واستوجبوا الاستئصال ) وذلك أنه تعالى قد أنزل إبان رسالة كل رسول من الآيات والحجج ما لا يحتاج الأمة بعدها إلى إنزال آية أخرى ، فإذا سألوا شيئا من الآيات بعد ذلك يكون ذلك السؤال سؤال تعنت وعناد لا سؤال استرشاد واستهداء ، وقد جرت سنة اللّه تعالى على أن كل من سأل تعنتا وتمردا شيئا من الآيات ، وأظهر اللّه تعالى ما سأله ولم يعتبر بها وكفر بعد رؤيتها ولم يؤمن بسببها يحل بهم عذاب الاستئصال ، ألا ترى أن قوم عيسى عليه الصلاة والسّلام سألوه أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء تكون لهم آية فسأله فأخبره اللّه تعالى أنه ينزلها عليهم ؟ ثم أخبر أن من كفر منهم بعد إنزالها عليهم فإنه يعذبه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين وذلك لأن سؤالهم كان مبنيا على التمرد والعناد .
روي أن أهل مكة سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجعل اللّه تعالى لهم الصفا ذهبا وأن يزيل عنهم الجبال التي حوالي مكة حتى يزرعوا تلك الأراضي ، فطلب عليه الصلاة والسّلام ذلك من اللّه تعالى فقال تعالى : إن شئت فعلت ذلك لكن بشرط إن كفروا أهلكتهم . فقال عليه الصلاة والسّلام : « لا أريد ذلك » فنزلت هذه الآية . وكانت كفار قريش يقترحون عليه عليه الصلاة