أمر الدين والدنيا
فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا
( 12 ) بيّنّاه بيانا غير ملتبس
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ
عمله وما قدر له كأنه طير إليه من عش الغيب ووكر القدر . لما كانوا يتيمنون ويتشاءمون بسنوح الطائر وبروحه استعير لما هو سبب الخير والشر من قدر اللّه وعمل العبد
فِي عُنُقِهِ
لزوم الطوق في عنقه
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً
هي صحيفة عمله أو نفسه المنتقشة بآثار أعماله فإن الأفعال الاختيارية تحدث في النفس أحوالا
شرح
ونحو ذلك . قوله : ( كأنه طير إليه من عش الغيب ووكر القدر ) إشارة إلى أن الطائر مستعار لتعذر حمله على الحقيقة ، لأن المقدر لا يطير حقيقة في وصوله إلى الإنسان من المقر الأصلي . فكما أن الطائر الحقيقي يأتي إلى كل ما يأتي إليه منتقلا من عشه ووكره ، فكذلك الحوادث تنتهي إلى الإنسان بعد ثبوتها في علم اللّه تعالى وعالم الغيب . ووكر الطائر ما كان من شجر أو جبل وعش الطائر موضعه الذي يجمعه من دقاق العيدان وغيرها في أفنان الشجر ، فإذا كان في جبل أو جدار أو نحوهما فهو وكر . والإضافة في قوله : « عش الغيب » و « وكر القدر » بيانية . والقضاء هو الإرادة الأزلية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص ، والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها ، استعير العش والوكر لعالم الغيب والتقدير العلمي . قوله : ( لما كانوا يتيمنون ويتشاءمون ) أي لما جعلوا الطائر سببا للخير والشر وأسندوهما إليه باعتبار سنوحه وبروحه استعير الطائر لما كان سببا لهما وهو قدر اللّه وقسمته وعمل العبد ، فكانا سببي الخير والشر . وسنوح الطائر عبارة عن مروره عن مياسر الإنسان إلى ميامنه ، وبروحه عبارة عن ضد ذلك . كانوا يتيمنون بالأول ويتشاءمون بالثاني .
شبه المصنف المقدرات من حيث كونها سبب الخير والشر المكتسب والتقدير الأزلي بالطائر على زعم العرب ، وجعل هذا التشبيه طريقا لإطلاق اسم الطائر عليهما بعد ما أشار إلى تحقيق المشابهة بين الأعمال والطائر من وجه آخر وهو المجيء من المقر الأصلي . قوله :
( لزوم الطوق في عنقه ) الظاهر أن ليس المراد تقدير متعلق قوله :فِي عُنُقِهِلأن اللزوم والإلزام لا يتعديان بكلمة « في » بل المقصود الإيماء إلى أن قوله :فِي عُنُقِهِجيء به بعد تمام الكلام بقوله :أَلْزَمْناهُ طائِرَهُللدلالة على كمال الإلزام بحيث لا سبيل إلى أن ينفك عنه ما قدر له من الخير والشر أصلا . فإنه إذا قصدت المبالغة في إلزام الشيء لأحد يقال :
جعلت هذا الشيء في عنقك أي قلدتك إياه وألزمتك حفظه ، لأن من عظمت رغبته في حفظ الشيء يربطه على عنقه ويجعله في موضع القلادة . قال أهل المعاني : إنما خص العنق من بين سائر الأعضاء بكونه محل الإلزام لأن ما علق عليه يكون ألزم بالشخص ، لأن الذي عليه إما خير يزينه أو شر يشينه ، وما يزين يكون كالطوق والحلي وما يشين يكون كالغل ، وكل واحد منهما مما يلازم صاحبه . وأنا أقول : كان الظاهر أن يقال :أَلْزَمْناهُعُنُقِهِبالنصب