تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً
وإذا تعلقت إرادتنا بإهلاك قوم لإنفاذ قضائنا السابق أو دنا وقته المقدر كقولهم : إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة .
أَمَرْنا مُتْرَفِيها
متنعميها بالطاعة على لسان رسول بعثناه إليهم . ويدل على ذلك ما قبله وما بعده فإن
شرح
الموجودات على ترتيب خاص ، والقدر عبارة عن تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها لإنفاذ القضاء السابقأَمَرْنا مُتْرَفِيهاأي عظماءها الذين أبطرتهم النعمة وسعة العيش بطاعة الرسول الذي بعث إليهم حتى إذا عصوه عنادا ومكابرة فعند ذلك يهلكون ، ولا يهلكون بمجرد علمنا بأنهم لا يقدمون إلا على المعصية ولا يختارون إلا متابعة الهوى والشهود . فمعنى الآية إذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم أمرنا المتنعيمن المغترين الظانين أن أموالهم وأولادهم وأنصارهم ترد عنهم بأسنا بالإيمان والعمل بشرائع ديني على ما يبلغهم عني رسوليفَفَسَقُواأي خرجوا عما أمرهم اللّه تعالى فاستحقوا العذاب فحينئذ يحق عليهم القضاء السابق بإهلاكهم لظهور معاصيهم فحينئذ ندمرها . والحاصل أن المعنى : وإذا أردنا أن نهلك قرية بسبب علمنا بأنهم لا يقدمون إلا على المعصية لم نكتف في تحقيق ذلك الإهلاك بمجرد ذلك العلم ، بل أمرنا مترفيها ففسقوا وإذا ظهر منهم ذلك الفسق فحينئذ نوقع العذاب الموعود به . وهذا كالتقرير لقوله تعالى :وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًاوقوله :وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا[ القصص : 59 ] وقوله :أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ[ الأنعام : 131 ] فلما حكم اللّه تعالى في هذه الآيات أنه لا يهلك قرية حتى يخالفوا أمر اللّه ، لا جرم ذكر ههنا أنه يأمرهم فإذا خالفوا الأمر فعند ذلك استوجبوا العذاب والإهلاك المعبر عنه بقوله :فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراًأي أهلكناها إهلاك الاستئصال والدمار هلاك الاستئصال . فقول المصنف : « لإنفاذ قضائنا السابق » إشارة إلى دفع ما يقال إنه تعالى كيف يريد إهلاك قوم ابتداء أي من غير أن يسبق منهم ما يستحقون الإهلاك بسببه مع أنه تعالى قال :إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ[ الرعد : 11 ] وقال :وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ[ القصص : 59 ] ثم إشار إلى دفعه بوجه آخر وهو أن المراد بإرادة إهلاكها دنو وقت هلاكها تشبيها لدنو وقت الشيء بإرادته في كونه كالسبب المؤدي إليه كما يقال : إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة ، وإذا أراد التاجر أن يفتقر أتاه الخسران من كل جهة . وليس المراد أن المريض يريد أن يموت حقيقة والتاجر يريد أن يفتقر حقيقة ، بل الإرادة مجاز عن دنو الوقت لكونه كالإرادة في التأدي إلى الموت والفقر فكذلك الحال ههنا . قوله : ( ويدل على ذلك ما قبله وما بعده ) يعني أنه تعالى قال :أَمَرْنا مُتْرَفِيهاولم يصرح بماذا يأمرهم ، فاختلف العلماء في أن المأمور به ما هو ؟ فذهب أكثر المفسرين إلى أن