عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ
بعد المرة الأخرى
وَإِنْ عُدْتُمْ
نوبة أخرى
عُدْنا
مرة ثالثة إلى عقوبتكم وقد عادوا بتكذيب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقصد قتله فعاد اللّه تعالى بتسليطه عليهم فقتل قريظة وأجلى بني النضير وضرب الجزية على الباقين هذا لهم في الدنيا .
وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً
( 8 ) محبسا لا يقدرون على الخروج منها أبد الآباد .
وقيل : بساطا كما يبسط الحصير .
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
للحالة أو
شرح
بالجزية لا ملك لهم ولا سلطان أبدا . قوله : ( محبسا لا يقدرون على الخروج منها أبد الآباد ) جواب عما يقال : إن قوله :حَصِيراًفعيل بمعنى فاعل وقد أجرى على جهنم وهي مؤنث سماعي فينبغي أن يقال : حصيرة بالتاء لما تقرر من أن فعيلا بمعنى فاعل يلزم تأنيثه ، وبمعنى مفعول يجب تذكيره ، وما جاء شاذا من النوعين بحسب تأويله . وتقرير الجواب أن جهنم مؤول بالسجن والحبس . وقيل : إنها في معنى الفراش والبساط ، ويجوز أن يقال : تأنيث جهنم مجازي فلذلك ذكر صفته . ثم إنه تعالى لما شرح معاملته مع عباده المخلصين وهو إسراء سيد المرسلين وإيتاء التوراة لموسى عليهما الصلاة والسّلام ، وبيّن ما فعله في حق العصاة بتسليط من يعينهم عليهم ويتبين به أن طاعة اللّه تعالى توجب كل خير ومعصيته توجب كل بلية وقهر ، لا جرم أثنى على القرآن فقال :إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِيالآية . قوله :
( للتي ) صفة لمحذوف أي للطريقة التي هي أقوم الطرق وعدل إلى الحذف مع أن الذكر هو الأصل ليذهب ذهن السامع كل مذهب مما يهدي إليه القرآن من وجوه الخير . فإن إبهام الموصوف وعدم تعينه بنحو الملة أو الطريقة أو الحالة أو الخصلة يؤدي إلى أن ينتقل الذهن إليها وإلى ما يشاكلها ، فكأنه قيل : يهدي لما لا يدخل تحت الوصف والحصر بخلاف ما لو ذكر واحد من الأمور المذكورة ، فإن ذلك يتعين حينئذ . وحقيقة « أقوم » ههنا للزيادة المطلقة كما في قولنا : اللّه أكبر ، لأن ما هدى إليه القرآن من الملل والشرائع لا يشاركه سائر الأديان والملل في أصل الاستقامة حتى يقال : حصولها في هذه الملة أكثر وأكمل من حصولها في غيرها . وصف اللّه تعالى القرآن بثلاثة أوصاف : أولها أنه يهدي للتي هي أقوم ، وثانيها أنه يبشر المؤمنين الذين اهتدوا لما هدى إليه القرآن من الطرق بالأجر الكبير ، لأن من سلك أقوم الطرق لا بد أن يفوز بأعز المقاصد ولما كان الأجر الكبير مبشرا به وجب أن يكون تقدير قوله تعالى :أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراًبأن لهم ، وحذف حرف الجر من « أن » و « أن » كثير شائع . والصفة الثالثة قوله تعالى :وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَفإنه إن كان معطوفا على قوله :أَنَّ لَهُمْ أَجْراًكان المعنى : ويبشر المؤمنين بأن لأعدائهم عذابا إليما ، وإن كان معطوفا على « يبشر » بإضمار يخبر يكون المعنى : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين بكذا ، ويخبر بأن الذين لا يؤمنون كذا . فإن قيل : هذه الآية في شرح أحوال اليهود وهم ما