ورحمة للعالمين ولعل إيرادها عقيب قوله :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ
للتنبيه عليه .
يَعِظُكُمْ
بالأمر والنهي والميز بين الخير والشر
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
( 90 ) تتعظون .
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ
يعني البيعة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الإسلام لقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
[ الفتح : 10 ] وقيل : كل أمر يجب الوفاء به ولا يلائمه قوله :
إِذا عاهَدْتُمْ .
وقيل : النذر . وقيل : الإيمان باللّه
وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ
إيمان البيعة أو مطلق الإيمان
بَعْدَ تَوْكِيدِها
بعد توثيقها بذكر اللّه تعالى . ومنه أكد بقلب
شرح
التفت إليّ وقال : متى علمت أن اللّه تعالى غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان بعد أن رضي اللّه عنهم ؟ قلت : لم أسمع بذلك . قال : فما الذي بلغني عنك في عليّ ؟ قلت : ما هو ؟
قال : يا بني إنك تمضي في خطبتك فإذا أتيت إلى ذكره عرف منك تقصيرا وخطبت كذلك .
قلت : نعم . قال : يا بني إن الذين حولنا لو يعلمون من عليّ ما تعلم لما تفرقوا عنا في أولاده . فلما وليّ الخلافة لم يكن عنده من الرغبة في الدنيا ما يرتكب بسببها هذا الأمر العظيم فترك ذلك وكتب بتركه . وقرأ عوضه :إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِالآية فحل هذا الفعل عند الناس محلا عظيما وأكثروا مدحه بذلك . قوله تعالى :( يَعِظُكُمْ )الظاهر أنه مستأنف في قوة التعليل للأمر بما تقدم أي إن الوعظ سبب ما تقدم من الأمر والنهي المذكورين ويبعد جعله حالا من فاعل « ينهى » إذ لا وجه لتخصيص الحال بهذا الفاعل دون فاعل « يأمر » ، فإن الوعظ يكون بكل واحد من الأوامر والنواهي ولا خصوصية له بالنهي .
ثم إنه تعالى لما جمع جميع المأمورات والمنهيات في هذه الآية على سبيل الإجمال ذكر بعدها بعض تلك الأقسام على سبيل التفصيل ، فبدأ بالوفاء بعهد اللّه فقال :وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِوهو معطوف من حيث المعنى على قوله :إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِالآية عطف الخاص على العام اهتماما بوفاء العهد والثبات عليه . واستشهد المصنف بقوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ[ الفتح : 10 ] على أن عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعهد اللّه واحد . ولم يرد أن هذه الآية واردة في تلك البيعة أعني بيعة الرضوان ، لأن هذه السورة مكية نزلت حين كان المسلمون مستضعفين فيما بين قريش ، وإنما هذه البيعة هي البيعة الأولى وكل من دخل في الإسلام فقد بايع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه البيعة .
قوله : ( وقيل كل أمر يجب الوفاء به ) أي العمل بمقتضاه فعهد اللّه تعالى يتناول الأدلة العقلية والسمعية عند هذا القائل وإن لم يكونا من العهود التي يلتزمها الإنسان باختيار نفسه لأنهما أوكد في لزوم الوفاء بما يدلان على وجوبه بالنسبة إلى اليمين وسائر العهود . ولذلك لا يصح في هذين الدليلين التغير والاختلاف ويصح في غيرهما ذلك ، وربما ندب فيه ترك