الْكِتابَ
استئناف أو حال بإضمار « قد »
تِبْياناً
بيانا بليغا
لِكُلِّ شَيْءٍ
من أمور الدين على التفصيل أو الإجمال بالإحالة إلى السنة أو القياس
وَهُدىً وَرَحْمَةً
للجميع وإنما حرمان المحروم من تفريطه
وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
( 89 ) خاصة .
شرح
قوله : ( بيانا بليغا ) إشارة إلى أن التبيان اسم في معنى البيان كالتلقاء في معنى اللقاء كما نقل عن الزجاج . إلا أنه روى ثعلب عن الكوفيين ، والمبرد عن البصريين أنهم قالوا : لم يأت عن المصادر على تفعال الآخر فإن تبيان وتلقاء . فعلى هذا يجب أن تكون المصادر التي تكون على تفعال كلها مفتوحة التاء كالتستار والتذكار والتكرار والتهذار والتلعاب . وأن يكون ما هو مكسور التاء غير التبيان والتلقاء أسماء نحو : التمساح والتمثال . وقوله :بَلِيغاًإشارة إلى أن صيغة تفعال سواء كانت مفتوحة التاء أو مكسورتها إذا كانت مصدرا أو اسما بمعنى المصدر تكون من أبنية المبالغة وتكرير الفعل ، فالتكرار والتذكار والتلعاب بمعنى كثرة الكر والذكر واللعب . قال المفسرون : القرآن تبيان لكل شيء يحتاج إليه من الأمر والنهي والحلال والحرام والحدود والأحكام . وقال نفاة القياس : دلت هذه الآية على أن القرآن تبيان لكل شيء أي لكل شيء من العلوم الدينية لأن غير ذلك ليس مما يجب الالتفات إليه . وعلوم الدين إما أصول وإما فروع فأما علم الأصول فهو بتمامه موجود في القرآن ، وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد على سبيل التفصيل في هذا الكتاب وذلك يدل على أنه لا تكليف من اللّه تعالى إلا ما ورد في هذا وإذا كان كذلك كان القول بالقياس باطلا وكان القرآن وافيا بتبيان كل الأحكام . وأما الفقهاء فإنهم قالوا : القرآن إنما كان تبيانا لكل شيء لأنه دل على أن الإجماع حجة وكذا كل واحد من القياس وخبر الواحد فضلا عن السنة المتواترة ، وإذا ثبت حكم من الأحكام بأحد هذه الأصول كان ذلك الحكم ثابتا بالقرآن .
روي عن عليّ رضي اللّه عنه أنه قال : « كل شيء علمه في القرآن إلا أن الرجال تعجز عنه » فبعضه مبين فيه بأن نص عليه صريحا وبعضه مبين على وجه الإجمال بالإحالة على ما يوجب العلم من بيان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو إجماع المسلمين أو القياس على ما نص عليه للاشتراك في علة الحكم . ثم إنه تعالى لما استقصى في شرح الوعد والوعيد والترغيب والترهيب اتبعه بقوله :إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِالآية وهي أجمع آية لوجوه إرشاد المكلفين وهدايتهم إلى ما فيه صلاح حالهم في الدارين . أمر اللّه تعالى في هذه الآية بثلاثة أشياء وهي :
العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، ونهى عن ثلاثة . وهي : الفحشاء والمنكر والبغي . أما العدل فهو عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط ، ورعاية العدل واجبة في جميع الأشياء لا سيما فيما يتعلق بالاعتقاد وفيما يتعلق بأفعال الجوارح وفيما يتعلق بالأخلاق النفسانية ، وأجل وجوه العدل اعتقادا الاعتقاد بوحدة الإله فإن نفي الإله تعطيل محض