إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
بالتوسط في الأمور اعتقادا كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك والقول بالكسب المتوسط بين محض الجبر والقدر ، وعملا كالتعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة والترهب ، وخلقا كالجود المتوسط بين البخل والتبذير .
وَالْإِحْسانِ
إحسان الطاعات وهو إما بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل أو بحسب الكيفية . كما قال عليه الصلاة والسّلام : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » .
وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى
وإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه وهو تخصيص بعد تعميم للمبالغة .
وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ
عن الإفراط في متابعة القوة الشهوية كالزنى فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها
وَالْمُنْكَرِ
ما ينكر على متعاطيه من
شرح
وإثبات أكثر من إله تشريك وتشبيه ، وهما مذمومان ، والعدل هو إثبات إله واحد واعتقاد أنه لا إله إلا اللّه وأيضا الاعتقاد بأن العبد ليس له قدرة ولا اختيار جبر محض ، والاعتقاد بأنه مستقل بأفعاله قدر محض ، وهما مذمومان ، والعدل أن يقال : إن العبد يفعل الفعل بواسطة أنه تعالى يخلق فيه قدرة كاسبة تدعوه إلى الفعل والقدرة المؤثرة ليست إلا له تعالى . والعدل فيما يتعلق بأعمال الجوارح كالتعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة والترهب فإن قوما من أهل البطالة ونفاة التكاليف يقولون : الاحتراز عن شيء من المعاصي ليس للّه عليه تكليف أصلا وقال قوم من المانوية : إنه يجب على الإنسان أن يجتنب عن كل أكل الطبيبات وأن يبالغ في تعذيب نفسه وأن تحترز عن كل ما يميل الطبع إليه ، حتى أنهم يخصون أنفسهم ويحترزون عن التزوج وعن أكل الطعام الطيب وأنهم يحرقون أنفسهم ويرمون أنفسهم من شاهق الجبل ، فهذان الطريقان مذمومان . والعدل الوسط هو هذا الشرع الذي جاءنا به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم إن الزيادة على العدل في باب العمل بحسب الكمية قد تكون إحسانا إلى نفسه إذا كانت على الوجه الذي استحسنه الشرع وندب إليه كالتطوع بعد أداء الواجبات ، وقد تكون إساءة على خلاف الوجه المشروع وكذا الزيادة بحسب الكيفية . وبالجملة فالمبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية هو الإحسان والإحسان بهذا المعنى يدخل فيه التعظيم لأمر اللّه والشفقة على خلق اللّه ، ومن الظاهر أن الشفقة على خلق اللّه أقسام كثيرة أشرفها وأجلها صلة الرحم فقوله :وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبىمن قبيل التخصيص بعد التعميم إيذانا بشرف الخاص ومبالغة في الحث عليه .
قوله : ( عن الإفراط في متابعة القوة الشهوية ) البهيمية والغضبية السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية . والثلاث الأول هي المداخل التي يأتي الشيطان من قبلها ، بخلاف القوة الرابعة أعني القوة العقلية الملكية فإن الشيطان لا يغوي الإنسان من قبلها إذ لا مناسبة بينها وبين الشرور الشيطانية ، فلا وجه لأن يتوسل الشيطان بها إلى إغواء بني آدم بخلاف