تعلمون » على أن الشرط للتبكيت والإلزام
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ
أي القرآن . وإنما سمي ذكرا لأنه موعظة وتنبيه
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
في الذكر بتوسط إنزاله إليك مما أمروا به ونهوا عنه أو مما تشابه عليهم . والتبيين أعم من أن ينص بالمقصود أو يرشد إلى ما يدل عليه كالقياس ودليل العقل
وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
( 44 ) وإرادة أن يتأملوا فيه فيتنبهوا للحقائق .
شرح
قوله : ( على أن الشرط للتبكيت والإلزام ) يعني أن الأصل في الشرط الذي تعلق به الحكم بكلمة أن يكون محتمل الوقوع ، وقد استعملت هنا في أمر معلوم مقطوع به لأن الكلام مع قريش لقول المفسرين إن هذه الآية رد لقول قريش : اللّه أعظم من أن يكون رسوله بشرا . ولا شك أن قريشا لم يكونوا من علم البينات والزبر في شيء . فالمقصود من تعليق السؤال بهذا الشرط التبكيت والإلزام أي لا ارتياب في أنكم غير عالمين بالبينات والزبر ، واحتمال عدم علمكم بها يستلزم السؤال فكيف إذا كنتم غير عالمين بها البتة ؟ ولستم أيضا ممن يسألون منهم لأنكم تعلمون أنهم لا يجيبونكم إلا بما ذكرنا من أنّا ما أرسلنا من قبل إرسال هذا الرسول إلا رجالا يوحى إليهم ، فلم يبق لهم طريق سوى التسليم والإذعان .
وعليه قول الأجير : إن كنت عملت لك فاعطني حقي . وقرأ حفص « نوحي إليهم » بالنون وكسر الحاء . والباقون بالياء وفتح الحاء . وحمزة والكسائي يميلانها على أصلها . قوله :
( بتوسط إنزاله إليك ) بيان لوجه قوله : « ما نزل إليهم » مع أن القرآن منزل إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ودفع لما يقال : من أن كونه عليه الصلاة والسّلام مبينا لما نزل يقتضي أن يكون القرآن كله مجملا ، بأن يكون المراد منه خفيا لا يطلع عليه ما لم تأت البينات من قبل المجمل لأن المفتقر إلى البيان يكون مجملا مع أن بعضه محكم والمحكم يجب أن يكون مبينا . ووجه الدفع أن القرآن المشتمل على الأحكام المتعلقة بهم لما كان منزلا عليه عليه الصلاة والسّلام بالذات ليبلغه إليهم ويبيّن أحكامه لهم لم تكن البينات بمعنى بيان المجمل بل بمعنى تبليغ ما كلفوا به إليهم . ولو سلم أنه بمعنى بيان المجمل فالمراد ببيان ما نزل بيان ما كانوا مجملا منه بقرينة أن المحكم لا يحتاج إلى البيان . قوله : ( والتبيين ) على أن المبين لجميع التكاليف والأحكام هو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لعلمنا منها أن القياس ليس بحجة لأنه لو كان حجة لما تعين الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لبيان جميع ما نزل إليهم لجواز أن يبين المكلف بعض الأحكام بطريق القياس .
وتقرير الجواب أن شارع جميع التكاليف والأحكام هو اللّه تعالى والقياس هو المظهر لبعض منها وهو عليه الصلاة والسّلام مرشد إلى ما يكون طريقا لإظهاره ، فصار بذلك مبينا لجميع ما نزل إليهم . فإن التبيين أعم من أن ينص بما هو المقصود من الأحكام أو يرشد إلى ما يدل عليه . ويؤيد هذا الجواب عطف قوله :وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَعلى قوله : ( ليبين ) فإن