وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ
( 27 ) لأنه يدل على أنها تبعته فاجتدبت ثوبه فقدته . والشرطية محكية على إرادة القول أو على أن فعل الشهادة من القول ، وتسميتها شهادة لأنها أدت مؤداها والجمع بين « إن » و « كان » على تأويل أن يعلم أنه كان ، ونحوه ونظيره قولك : إن أحسنت إليّ فقد أحسنت إليك من قبل . فإن معناه إن تمنن عليّ بإحسانك أمنن عليك بإحساني السابق . وقرىء « من قبل » و « من دبر » بالضم لأنهما قطعا عن الإضافة كقبل وبعد ، وبالفتح كأنهما جعلا علمين
شرح
فرعون أباها بإسلامها فأمر بإلقائها وإلقاء أولادها في النار . فلما بلغت التوبة إلى ولدها وكان مرضعا قال : اصبري يا أماه فإنك على الحق . وقوله : « ماشطة فرعون » من قبيل إضافة الملابسة . وأما صاحب جريج فمن قصته أنه كان يتعبد في صومعته فقالت امرأة : لأقتلنه وعرضت عليه نفسها فلم يلتفت إليها فمكنت نفسها من راعي كان يأوي بغنمه إلى صومعته فولدت غلاما ، وقالت : إنه من جريج . فضربوه وخربوا صومعته فصلى جريج وانصرف إلى الغلام فطعنه وقال : باللّه يا غلام من أبوك ؟ قال : أنا ابن الراعي .
قوله : ( والشرطية محكية ) جواب عما يقال : كيف جازت حكاية الجملة الشرطية بعد فعل الشهادة لأنها تقتضي الأداء والإنشاء عدمه فبينهما تناف ؟ وأجاب عنه بوجهين : الأول أنها محكية بعد القول المحذوف كأنه قيل : وشهد شاهد فقال : إن كان قميصه . الخ والثاني أن ذكر فعل الشهادة من قبيل إطلاق لفظ الخاص وإرادة العام بناء على أن الشهادة نوع من القول وقوله : « وتسميتها شهادة » جواب عما يقال : كيف يجوز إطلاق الشهادة على ترديد هذه الشرطية مع أن الشهادة في عرف الشرع عبارة عن الإخبار بثبوت حق الغير بلفظ أشهد ؟
وأجاب عنه بأن قوله : « وشهد » من قبيل الاستعارة التبعية حيث شبه ترديد الشرطية بالشهادة فأطلق عليه اسم الشهادة استعارة أصلية . ثم اشتق من الشهادة بالمعنى المجازي لفظ شهد فكان استعارة تبعية ووجه الشبه بينهما أن ترديد تلك الشرطية يؤدي مؤدى الشهادة من حيث إنه ثبت به قول يوسف عليه الصلاة والسّلام وبطل قولها . قوله : ( والجمع بين إن وكان ) يعني أن كلمة « أن » تدل على الاستقبال و « كان » على المضي ، فينبغي أن لا يجمع بينهما لأن المعنى أن يعلم أنه كان قميصه . يعني أن الشرط وإن كان ماضيا بحيث اللفظ لكنه في تأويل المضارع لأن المراد إرشاد العزيز إلى أن يتبع الأمارة التي تدل على تعيين الصادق وتمييزه من الكاذب ، وهو نظير قولك : إن أحسنت إليّ فقد أحسنت إليك من قبل ، لمن يمنن عليك بإحسانه . فإن المعنى أن تمنن عليّ بإحسانك أمنن عليك بإحساني السابق ، وأن تعد إحسانك إليّ فيما مضى فأعد إحساني إليك فيه . فلما كان الشرط في تأويل المستقبل ارتفعت المنافاة بينه وبين كلمة « أن » . قوله : ( وقرىء من قبل ومن دبر ) قرأهما الجمهور بضمتين وبالجر