وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها
قصدت مخالطته وقصد مخالطتها . والهم بالشيء قصده والعزم عليه ومنه الهمام وهو الذي إذا همّ بشيء أمضاه . والمراد بهمه عليه السّلام ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري ذلك مما لا يدخل تحت التكليف بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من اللّه من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهمّ أو مشارفة الهمّ كقولك : قتلته لو لم أخف اللّه .
لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ
في قبح الزنى
شرح
بناها على الفتح تخفيفا نحو : أين وكيف ومن ضمها كابن كثير ضمها تشبيها بحيث ومن كسرها فعلى أصل التقاء الساكنين كجير وفتح الهاء وكسرها لغتان . وكذا يحتمل الأمران على قراءة هشام « هيت » بكسر الهاء وفتح التاء . أما احتمال كونه اسم فعل فظاهر . وأما احتمال كونه فعلا مسندا إلى ضمير المخاطب فمبني على أن يكون المعنى حسنت هيئتك لأنه لا يجوز أن يكون المعنى تهيأت لأن الخطاب من المرأة ليوسف عليه الصلاة والسّلام وهو لم يتهيأ لها بل هي تهيأت له بدليل قوله تعالى :وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهاوقوله تعالى :أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ[ يوسف : 52 ] واللام في قوله :هَيْتَ لَكَمتعلقة بمحذوف على سبيل البيان كأنها قالت لك أقول إذ الخطاب لك كما في قوله : سقيا لك ورعيا لك . وهذا على تقدير أن يكون اسم فعل ، وأما على تقدير كونه فعلا فإنها حينئذ تتعلق بالفعل المذكور إذ لا حاجة حينئذ إلى تقدير شيء . ثم إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام قال يوسف :مَعاذَ اللَّهِوهو منصوب على أنه مصدر فعل محذوف أي أعوذ باللّه معاذا يقال : عاذ يعوذ عياذا وعياذة ومعاذا وعوذا طلب عليه الصلاة والسّلام أن يعيذه من ذلك العمل بأن يخلق فيه داعية جاذبة له إلى جانب الطاعة وأن يزيل عن قلبه داعية المعصية . ونظيره ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه لما وقع بصره على زينب أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها وهي تحت زيد قال : « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » . فكان المراد منه تقوية داعية إلى الطاعة وإزالة داعية المعصية .
قوله : ( أو مشارفة الهمّ ) عطف على قوله : « ميل الطبع » فإن من شارف الاتصاف بوصف يجعل موصوفا به كما في قوله : قتلته لو لم أخف اللّه ، فعد نفسه قاتلا لكونه مشارفا له . فكذا يوسف عليه الصلاة والسّلام لما شارف قلبه أن يقصد مخالطتها قال تعالى في حقه عليه الصلاة والسّلاموَهَمَّ بِهافإنه على تقدير تسليم أنه شارف أن يهم بها لا نسلم أنه عليه الصلاة والسّلام قد همّ بها . والمصنف ضعف ما ذكره المفسرون من أن يوسف عليه الصلاة والسّلام همّ بهذه المرأة هما صحيحا كما أنها همت به حتى حكوا أنها استلقت له وقعد هو بين رجليها وأخذ يحل تكته ، فلما رأى البرهان من ربه زال عنه كل ما طرأ عليه من الشهوة . واختار ما ذهب إليه المحققون من المفسرين بأنه عليه الصلاة والسّلام كما أنه