الْأَرْضِ
والمعنى أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور كقوله :
أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ
[ الأعراف : 176 ] وفي انعقاد القسم بأفعال اللّه تعالى خلاف . وقيل : للسببية . والمعتزلة أولوا الإغواء بالنسبة إلى الغي أو التسبب له بأمره إياه بالسجود لآدم عليه السّلام أو بالإضلال عن طريق الجنة ، واعتذروا عن إمهال اللّه له وهو سبب لزيادة غيه وتسليطه له على إغواء بني آدم بأن اللّه تعالى علم منه وممن يتبعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار أمهل أو لم يمهل ، وأن في إمهاله تعريضا بمن
شرح
قوله : ( والمعنى أقسم بإغوائك ) ونظيره قوله تعالى حكاية عنه :فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ[ ص : 82 ] إلا أنه في هذا الموضع أقسم بعزة اللّه وهي من صفات الذات . وفي قوله :فَبِما أَغْوَيْتَنِيأقسم بإغواء اللّه وهو من صفات الفعل . والفقهاء قالوا : القسم بصفات الذات صحيح . وأما القسم بصفات الأفعال فقد اختلفوا فيه . ذكر في « شرح الوافي » : قال العراقيون : الحلف بصفات الذات كالقدرة والعظمة والعزة والجلال والكبرياء يمين ، وبصفات الفعل كالرحمة والسخط والغضب والرضى ليس بيمين ، وصفة الذات ما لا يجوز أن يوصف بضده وصفة الفعل ما يجوز أن يوصف بضده ، فإنه تعالى يرضى بالإيمان ولا يرضى بالكفر . ثم قال الشارح : والمذهب عندنا أن صفات اللّه تعالى لا هو ولا غيره وكلها قديمة فلا يستقيم الفرق . قوله : ( لأزينن لهم المعاصي في الدنيا ) إشارة إلى أن مفعول « لأزينن » محذوف وهو المعاصي وعدى الفعل ب « في » بناء على أن يراد بالأرض جهة السفل وهي الدنيا كما في قوله تعالى :أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ[ الأعراف : 176 ] أي ركن إلى الدنيا .
قوله : ( والمعتزلة ) فإنهم لما أبوا عن القول بأنه تعالى يحدث الغواية والضلال في العبد بناء على ما زعموا من أن بعض الأفعال قبيح في حقه تعالى أولوا قوله :أَغْوَيْتَنِيبقولهم :
« نسبتني إلى الغي وسميتني بذلك ، أو بكونه تعالى سببا لغيه . فإنه تعالى لما أمره بالسجود وأفضى ذلك إلى غيه بالإباء عن السجود كان له تعالى مدخل في غيه فأسند الإغواء إليه تعالى على طريق إسناد الفعل إلى السبب . فانظر إلى إبليس علم أنه تعالى هو الذي يخلق فعل الغواية والضلال فيمن يختار له ذلك ولم تعلم المعتزلة ذلك . وأيضا أوّلوا الإغواء بالإضلال عن طريق الجنة أي إن أضللتني عن طريق الجنة أضلهم أنا بالدعاء إلى المعصية .
وضعف هذا التأويل لأنه لما أقدم على الكفر باختياره فقد خيّب نفسه عن رحمة اللّه تعالى ، وأيضا لما توجه عليهم أن قوله : إنكمِنَ الْمُنْظَرِينَمخالف لمذهبهم لأنه لما سأل من اللّه تعالى هذا العمر الطويل لزيادة الكفر والمعصية ، وبسبب تلك الزيادة يزاد استحقاقه لأنواع العذاب والتعذيب كان هذا الإمهال سببا لمزيد عذابه . وذلك يدل على أنه تعالى أراد به أن يزداد عذابه وعذاب من يتبعه لا أنه تعالى أمهله تلك المدة الطويلة لعلمه بأنه لا يتفاوت حاله