النافذ في المسام ولا يمتنع خلق الحياة في الأجرام البسيطة كما لا يمتنع خلقها في الجواهر المجردة فضلا عن الأجساد المؤلفة التي الغالب فيها الجزء الناري ، فإنها أقبل لها من التي الغالب فيها الجزء الأرضي . وقوله :
مِنْ نارِ
باعتبار الغالب كقوله :
خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ
[ غافر : 67 ] ومساق الآية كما هو للدلالة على كمال قدرة اللّه تعالى وبيان بدء خلق الثقلين فهو للتنبيه على المقدمة الثانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر وهو قبول المواد للجمع والإحياء .
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ
واذكر وقت قوله :
لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 28 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ
عدلت خلقته وهيأته لنفخ الروح فيه
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
حتى جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحيى . وأصل النفخ إجراء الريح في تجويف جسم آخر ولما كان الروح يتعلق أولا بالبخار اللطيف المنبعث من القلب ويفيض عليه القوة الحيوانية فيسري حاملا لها في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن جعل تعلقه
شرح
المسام فيقتل . وقيل : السموم ما كان ليلا والحرور ما كان نهارا . وقيل :« مِنْ »فيمِنْ قَبْلُومِنْ نارِ السَّمُومِمتعلقتان « بخلقنا » لاختلاف معناهما لأن الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض . قوله : ( ولا يمتنع خلق الحياة في الأجرام البسيطة ) جواب عما يقال : لا تتصور الحياة بدون تركيب يتوقف عليه بقاء البنية واعتدال المزاج فكيف تخلق في الجسم البسيط ولا سيما في الجوهر الذي يكون في غاية الحرارة ؟ والجواب أن البنية ليست بشرط لإمكان حصول الحياة فإنه تعالى خلق الحياة والعقل والعلم في الجوهر المفرد في الجسم الذي يكون في غاية الحرارة . قوله : ( ولما كان الروح ) أي النفس الناطقة تتعلق أولا بالبخار اللطيف الذي هو الروح الحيواني لكونه أقبل لها بالنسبة إلى سائر ما في البدن من الأعضاء للمناسبة بينهما في اللطافة . وهو جواب عما يقال : النفخ إجراء الريح في تجويف شيء آخر ولا ريح ههنا ولا نفخ ، فما وجه قوله تعالى :وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ؟وتقرير الجواب أنه من قبيل الاستعارة التبعية شبه تعلق الروح بمعنى النفس بأجزاء البدن بواسطة سريان الروح الحيواني فيها جاريا في تجاويف الشرايين بجريان الريح في تجويف آخر ، فأطلق على المشبه اسم النفخ واشتق منه نفخت . ويحتمل أن يكون المراد بالروح الروح الحيواني الساري في البدن بتوسط الشرايين فيشبه إجراء هذا الروح في البدن ، وهو سبب للحياة ، بإجراء الريح في الشيء وهو النفخ ، بل هو أظهر إلا أن إضافته للتشريف في قوله :مِنْ رُوحِيتستدعي أن يراد به النفس الناطقة التي هي المشرف بمعرفة اللّه تعالى والمكلف بطاعته .