من الدلالة على كمال قدرته وعلمه بتفاصيل الأشياء يدل على صحة الحكم كما صرح به بقوله :
إِنَّهُ حَكِيمٌ
باهر الحكمة متقن في أفعاله
عَلِيمٌ
( 25 ) وسع علمه كل شيء
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ
طين يابس يصلصل أي يصوت إذا نقر . وقيل : هو من صلصل إذا أنتن تضعيف صل .
مِنْ حَمَإٍ
طين تغير وأسود من طول مجاورة الماء وهو صفة صلصال أي كائن من حمأ
مَسْنُونٍ
( 26 ) مصور من سنة الوجه أو منصوب لييبس ويتصور كالجوهر المذابة تصب في القوالب من السن وهو الصب . كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل ثم غير ذلك طورا بعد طور حتى سواه ونفخ فيه من روحه . أو منتن من سننت الحجر على الحجر إذ حككته به
شرح
قوله : ( تضعيف صل ) يقال : صل اللحم يصل بالكسر صلو لا أي صار مطبوخا بعد أن كان نيئا . والحمأ الطين الأسود ، وكذلك الحمأة بالتسكين يقال : حمئت البئر حمأ بالتحريك أي كثرت حمأتها . والحمأ المسنون أي المتغير المنتن وسنة الوجه صورته قال ذو الرمة :تريك سنة وجه غير مفزعة * ملساء ليس بها خال ولا ندبوالمسنون المصور على صورة مثال وقد سننته أسنه سنا إذا صورته ، وسننت التراب أي صببته على وجه الأرض صبا سهلا حتى صار كالصورة والكل من الصحاح . عن ابن عباس أنه تعالى خلق آدم من أديم الأرض فألقى على الأرض حتى صار طينا لازبا وهو الطين الملتزق ، ثم ترك حتى صار حمأ مسنونا وهو المنتن ، ثم خلقه اللّه تعالى بيده وكان أربعين يوما مصورا حتى يبس فصار صلصالا كالفخار إذا ضرب عليه صلصل أي صوت و« مِنْ »في قوله :مِنْ صَلْصالٍلابتداء الغاية أو للتبعيض تقول العرب : سننت الماء أي صببته . وهذه الآية أيضا مسوقة لإثبات الصانع وكمال قدرته ، فإنه قد ثبت بالدلائل القاطعة أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أول لها بل يجب انتهاء الحوادث إلى أول حادث فلزم من ذلك أن ينتهي الناس إلى الإنسان الذي هو أول الناس . وذلك الإنسان لا يكون مخلوقا من الأبوين فيكون مخلوقا لا محالة بقدرة اللّه تعالى ، فقوله تعالى :وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَأي ذلك الإنسان الأول . وقد أجمع المفسرون على أن المراد منه آدم عليه الصلاة والسّلام وقد دل قوله تعالى :إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ[ آل عمران : 59 ] على أنه تعالى خلق آدم من تراب . ودلت آية أخرى على أنه مخلوق من طين وهي قوله تعالى :إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ[ ص : 71 ] وجاء في هذه الآية أنه عليه الصلاة والسّلام مخلوق من صلصال كائن من حمأ مسنون . وقال في موضع آخر :إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ[ الصافات : 11 ] هو الملتزق . والظاهر أن ليس المراد أنه تعالى خلقه من هذه المذكورات المتخالفة في حالة واحدة لقيام التنافي بين هذه الأوصاف في شيء واحد في زمان واحد