تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
فإن ما يسيل منهما يكون منتنا ويسمى السنين .
وَالْجَانَّ
أبا الجن . وقيل : إبليس . ويجوز أن يراد به الجنس كما هو الظاهر من الإنسان لأن تشعب الجنس لما كان من شخص واحد خلق من مادة واحدة كان الجنس بأسره مخلوقا منها وانتصابه بفعل يفسره قوله :
خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ
من قبل خلق الإنسان
مِنْ نارِ السَّمُومِ
( 27 ) من نار الحرّ الشديد
شرح
فيشتبه ، فثبت أن يكون المراد من هذه المذكورات أن مبدأ خلق آدم عليه الصلاة والسّلام على اختلاف الأحوال والأوقات بأن يكون مبدأ التكوين في أول الحال ترابا ، وفي حال آخر صار طينا لازبا ، وفي آخر صار حمأ مسنونا وهو الذي اسوّد وتغير لطول مكثه ، وفي حال آخر صار صلصالا كالفخار قبل أن يخلق فيه اللحم والعظم ويركب فيه الجوارح والأعضاء . ولما كان على هذه الأحوال المذكورة على ما أخبر اللّه تعالى وكان تغير أحوال أولاده كذلك حيث قال :فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ[ الحج : 5 ] فذكر أن أولاده كانوا على هذه الأحوال قبل أن يخلق فيهم لحما وعظما كما ذكر في حق آدم عليه الصلاة والسّلام من أنه خلق من تراب وطين لازب وصلصال وحمأ مسنون حمل على ما ذكر في أولاده . قال المفسرون : خلق اللّه آدم من طين فصوره وتركه في الشمس أربعين سنة فصار صلصالا لا يدري أحد ما يراد منه ولم يروا شيئا من الصور يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح . وحقيقة كلامهم أنه تعالى خلق آدم من طين على صورة الإنسان فجف فكانت الريح إذا مرت به سمع له صلصلة ولذلك سماه اللّه تعالى صلصالا ، وهو الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوت وهو غير مطبوخ وإذا طبخ فهو فخار . قوله : ( والجان أبا الجن ) قال عامة المفسرين : الجان أبو الجن كما أن إبليس أبو الشياطين . سمي جانا لتواريه عن الأعين يقال : جن الشيء إذا استر أمره ، فالجان يستر نفسه عن أعين بني آدم . قوله : ( من نار الحرّ الشديد ) الظاهر أن المراد بالحر الشديد حر النار وأن المراد من حر النار لهب النار الذي لا دخان له ، كأنه قيل : من نار اللهب الشديد . وقوله : « النافذ في المسام » إشارة إلى صفاء ذلك اللهب وخلوه عن الدخان . ولما كان من طبع لهب النار العلو والارتفاع ومن طبع التراب التنزل والتسفل كان خلق ما خلق من كل واحد منهما مناسبا لمادته . قيل السموم اسم من أسماء جهنم أخبر اللّه تعالى أنه خلق الجان من نار جهنم . وقيل : السموم الريح الحارة التي تقتل . قال الكلبي : هي نار لا دخان لها والصواعق تكون منها . وقال ابن مسعود : من نار الريح الحارة قال : وهذا السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خلق منها الجان وتلا هذه الآية . ومعنى السموم في اللغة الريح الحارة وفيها نار . وفي الخبر « أنها من نفخ جهنم » . كذا في الوسيط . وقول المصنف : « من نار الحر الشديد » يدل على أن السموم عبارة عن الحر المفرط سواء كان من شمس أو ريح أو نار ، وأن ما فيه من النارية لشدته ولطافته يدخل