تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
وَنَحْنُ الْوارِثُونَ
( 23 ) الباقون إذا ماتت الخلائق كلها
وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ
( 24 ) من استقدم ولادة وموتا ومن استأخر أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد أو من تقدم في الإسلام والجهاد وسبق إلى الطاعة وتأخر لا يخفى علينا شيء من أحوالكم . وهو بيان لكمال علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته فإن ما يدل على قدرته دليل على علمه . وقيل : رغب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الصف الأول فازدحموا عليه فنزلت . وقيل : إن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فتقدم بعض القوم لئلا ينظر إليها وتأخر بعض ليبصرها فنزلت .
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ
لا محالة للجزاء وتوسيط الضمير للدلالة على أنه القادر المتولي لحشرهم لا غير . وتصدير الجملة ب « إن » لتحقيق الوعد والتنبيه على أن ما سبق
شرح
حيث إن « نحن » مبتدأ و « نحيي » خبره والجملة خبر قوله : « إنا » وقد تقرر في علم المعاني أن تقديم المسند إليه يفيد الاختصاص بشرطين : الأولإِنْ نَحْنُيجوز أن يقدر كونه في الأصل مؤخرا على أنه فاعل معنى فقط وإن كان في اللفظ تأكيدا للفاعل ، والثاني أن لا يقدر ذلك وإن لم يوجد الشرطان لا يفيد التقديم إلا تقوى الحكم . وقد وجد الشرطان ههنا أما الأول فظاهر ، وأما الثاني فلكون الآية مسوقة لتقرير دليل إثبات الصانع وذلك يقتضي اعتبار الحصر في التخصيص وما يتوقف اعتباره عليه . ويحتمل أن يكون « نحن » تأكيدا لاسم « إن » « ونحيي » خبرها وذلك لا يمنع تحقق الشرطين أيضا كما لا يخفى . ولا يجوز أن يكون « نحن » فصلا لأن ضمير الفصل لا يكون إلا بين اسمين و « نحن » ههنا لم يقع بين اسمين . وقد اتفق شراح الكشاف على أن الحصر في قوله تعالى :وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْمستفاد من توسيط ضمير الفصل بين اسم « إن » وخبرها . قوله : ( ونحن الوارثون الباقون إذا ماتت الخلائق كلها ) يعني إن الوارث من يخلف الميت ويقوم مقامه في تملك تركته بعد موته وهو مستحيل في حقه تعالى لأنه تعالى مالك للموجودات بأسرها أصالة لا خلافة ، فوجب جعله مستعار المعنى الباقي بعد هلاك الخلق تشبيها له تعالى بوارث الميت في بقائه بعد فنائه . ومنه قوله عليه الصلاة والسّلام في دعائه : « واجعله الوارث منا » وأوله : « اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا » . قيل : ضمير « اجعله » راجع إلى السوابق باعتبار المذكور والمعنى : واجعلها سالمة لازمة معنا إلى الموت فبولغ فيه . وقيل : اجعلها كائنها تبقى بعدنا لأن الوارث يبقى بعد الموروث . وقيل : الضمير يرجع إلى التمتع المدلول عليه بقوله : « متعنا » أي اجعل التمتع بما ذكرنا كأنه الوارث لما انحل من القوى النفسانية عند الكبر والباقي بعد زوالها . روي أنه عليه الصلاة والسّلام ما كان يقوم من مجلس حتى يدعو بهذه الدعوات له ولأصحابه رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين .