بينهم من المناسبة في الجواهر أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها . وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنهم كانوا لا يحجبون عن السماوات فلما ولد عيسى عليه الصلاة والسّلام منعوا من ثلاث سماوات ، فلما ولد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم منعوا من كلها بالشهب .
ولا يقدح فيها تكونها قبل المولد لجواز أن يكون لها أسباب أخر . وقيل : الاستثناء منقطع أي ولكن من استرق السمع
فَأَتْبَعَهُ
فتبعه ولحقه
شِهابٌ مُبِينٌ
( 18 ) ظاهر للمبصرين . والشهاب شعلة نار ساطعة وقد يطلق للكواكب والسنان لما فيهما من البريق .
وَالْأَرْضَ مَدَدْناها
بسطناها
وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ
جبالا ثوابت
وَأَنْبَتْنا فِيها
في الأرض أو فيها وفي الجبال
مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ
( 19 ) مقدر بمقدار معين تقتضيه حكمته أو مستحسن متناسب من قولهم : كلام موزون أو ما يوزن ويقدر أوله وزن في أبواب النعمة والمنفعة .
وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ
تعيشون بها من المطاعم
شرح
الاستثناء بدليل أن إقدامهم على استراق السمع لا يخرج السماء عن أن تكون محفوظة منهم لأنهم ممنوعون من دخولها ، وإنما يحاولون القرب منها فلا يصح أن يكون استثناء على التحقيق ، فوجب أن يكون معناه : ولكن من استرق السمع . يقال : استرقت السمع أي استغفلت قوما حتى سمعت حديثهم وهم لا يعلمون . نقل الإمام عن ابن عباس أنه قال في قوله :إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَيريد به الخطفة اليسيرة . وذلك أن المارد من الشياطين من يعلو فيرمي بالشهاب فيحرقه ويفنيه ومنهم من يحيله الشهاب أي يفسده فيصير ذلك الشيطان غولا فيضل الناس في البراري . وقال الإمام أبو الليث : كان الشيطان المارد منهم يصعد على آخر ويكون الآخر أسفل منه فإذا سمع قال للذي أسفل منه : قد كان من الأمر كذا وكذا ، فيهرب الذي أسفل ويرمي الذي استرق السمع بالشهاب ويأتي الذي هو أسفل بالأمر الذي سمعه إلى كهنتهم . فذلك قوله :إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌأي تبعه ولحقه شعلة نار ساطعة أي مرتفعة لا يخطئه الشهاب أي يصيبه . فهو إما أن يأتي على نفسه وإما أن يحيله حتى لا يعود إلى الاستماع من السماء . والمصنف جعل استراق السمع استعارة لاستلاب الشياطين من سكان السماوات أمورا يسيرة من غير توسيط حاسة السمع أصلا بل إما بأن تتلقى منهم تلقيا معنويا بناء على ما بينهما من المناسبة في الجوهر ، وإما بطريق الاستدلال بأوضاع الكواكب وحركاتها .
قوله : ( في الأرض أو فيها وفي الجبال ) قدم الاحتمال الأول ، لأن أنواع النبات المنتفع بها إنما تتولد في الأرض ، وأما الفواكه الجبلية فليست بكثيرة النفع . وقيل : رجوع الضمير إلى الجبال أولى لأن المعادن إنما تتولد في الجبال ، والأشياء الموزونة في العرف والعادة هي المعادن لا النبات قال الكلبي :وَأَنْبَتْنا فِيهاأي في الجبالمِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍوهي