كثير بالتخفيف أو حيرت من السكر ويدل عليه قراءة من قرأ « سكرت » .
بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ
( 15 ) قد سحرنا محمد بذلك كما قالوه عند ظهور غيره من الآيات . وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالة على البتّ بأن ما يرونه لا حقيقة له بل هو باطل خيل إليهم بنوع من السحر .
وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً
اثني عشر مختلفة الهيئات والخواص على ما دل عليه الرصد والتجربة مع بساطة السماء .
وَزَيَّنَّاها
بالإشكال
شرح
« السكر » بمعنى السد بشهادة قراءة ابن كثير فإنه لو لم يكن من السكر المتعدى لما بنى الفعل للمفعول وذلك يدل على أن باقي القراءات أيضا من المتعدي وأن التضعيف للتكثير .
قوله : ( أو حيرت من السكر ) بالضم عطف على قوله : « سدت » فعلى هذا يكون التضعيف للتعدية . قوله : ( وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالة على البتّ بأن ما يرونه لا حقيقة له ) أما دلالة كلمة الحصر عليه فإنها تدل على أن مسكرا تعلق بنا تسكيره وحيرنا إلا أن ذلك التسكير والتحيير لم يتعلق إلا بأبصارنا ولم يتعلق بعقولنا . ولا يخفى أن هذا بت بأن ما يرونه لا حقيقة له . وأما دلالة كلمة الإضراب عليه فإنهم أضربوا عن الحصر في الإبصار وقالوا : بل جاوز التسكير إلى عقولنا ، وأن سحر السحرة كما حير أبصارنا حير عقولنا أيضا .
فقد حكموا بأنه كما لا اعتماد على شهادة حواسهم لا اعتماد أيضا على شهادة عقولهم لكون الكل حيرى سكرى ، فهو بت بأن ما يرونه بأبصارهم ويحكمون عليه بعقولهم أمور مموهة لا حقيقة لها . قال الإمام : فإن قيل : كيف يجوز من الجماعة العظيمة أن يصيروا شاكين في وجود ما يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح ؟ ولو جاز حصول الشك في ذلك كان حصول السفسطة لازما ولا يبقى حينئذ اعتماد على الحس والمشاهدة . ثم قال : وأجاب القاضي عنه بأنه تعالى ما وصفهم بالشك فيما يبصرونه وإنما وصفهم أنهم يقولون هذا القول ، وقد يجوز أن يقدم الإنسان على الكذب على سبيل العناد والمكابرة . وقال بعده :
فيصح من الجمع العظيم أن يظهروا الشك في المشاهدات . وأجاب أيضا بأن ذلك إذا حملهم غرض معتبر من المواطأة على دفع حجة أو غلبة خصم ، فهذه الحكاية أيضا إنما وقعت من قوم مخصوصين سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن إنزال الملائكة وهم رؤساء القوم ، وكانوا قليلي العدد وإقدام القليل على ما يجري مجرى المكابرة جائز . قوله : ( مختلفة الهيئات والخواص ) إشارة إلى وجه دلالة جعل السماء ذات البروج على وجود الفاعل المختار وكمال قدرته وعلمه . فإنه تعالى لما أجاب عن شبه منكري النبوة وبيّن توغلهم في المكابرة والعناد ، وقد تقرر أن القول بالنبوة متفرع على القول بالتوحيد ، اتبع ما يدل على حقية النبوة بذكر دلائل التوحيد . فبدأ بذكر الدلائل السماوية فقال :وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاًالآية وأصل البرج الحصن والقصر قال اللّه تعالى :وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ