والهيئات البهية
لِلنَّاظِرِينَ
( 16 ) المعتبرين المستدلين بها على قدرة مبدعها وتوحيد صانعها .
وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
( 17 ) فلا يقدر أن يصعد إليها ويوسوس أهلها ويتصرف في أمرها ويطلع على أحوالها
إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ
بدل من كل « شيطان » و « استراق السمع » اختلاسه سرّا . شبه به خطفتهم اليسيرة من قطان السماوات بما
شرح
[ النساء : 78 ] أي أبنية عالية قيل لها : البروج لظهورها من بعيد . فإن أصل البروج الظهور ومنه قوله تعالى :غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ[ النور : 60 ] أي غير ظاهرات بها . روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن المراد ببروج السماء منازل الشمس والقمر ، فإنه تعالى جعل لكل واحد منهما منزلا ينزل كل ليلة في منزل على حدة . وقيل : هي النجوم الكبار . وقيل :
يحتمل أن يكون المراد بها مطالع الشمس والقمر والنجوم ومغاربها . وقيل : البروج الاثني عشر وأسماؤها : الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت . قوله : ( المعتبرين المستدلين ) فإن ما يقبح في العين منظرا لا يتفكر الناظر فيه ولا ينظر إليه ، فزينها اللّه تعالى ليحملهم ذلك على النظر إليها والتفكر فيها فيعلموا أن ذلك تدبير العزيز العليم حيث دبر نظام العالم على أحسن تقويم وجعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض مع بعد ما بينهما . قوله : ( بدل من كل شيطان ) أي إلا ممن استرق السمع . قيل : فيه نظر لأن النحاة قد صرحوا بأن المستثنى ب « إلا » لغير الصفة إذا وقع في كلام موجب تام يجب نصبه ويمتنع البدل لاقتضائه فساد المعنى ، لأن المبدل منه في حكم الساقط فيكون تقدير : جاءني القوم إلا زيد مثلا جاءني إلا زيد ويفهم منه أن يجيء إليه جميع العالم غير زيد وهو معنى فاسد . وأجيب عنه بأن قوله تعالى :وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍفي معنى النفي كأنه قيل : لا يقربها شيطانإِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ .ولو قيل : إنه في محل النصب على أنه مستثنى متصل لأن من استرق من جنس الشيطان والمعنى : إنا حفظناها من قرب كل شيطان إلا من استرق السمع فإنا لم نحفظها من قربه ، لم يتوجه النظر المذكور ولم يحتج في دفعه إلى تكلف فإن المستثنى من كلام تام موجب يجب نصبه على الاستثناء بالاتفاق ومن جعله منقطعا لعله نظر إلى أن قوله :وَحَفِظْناهامعناه إنّا حفظناها لكن من استرق السمع ممنوع من دخول السماء فاستراقه السمع لا يخرج السماء عن كونها محفوظة من دخول الشيطان ، فلا يصح الاستثناء إلا على سبيل الانقطاع . قال الإمام : فإن قيل : ما معنى قوله :وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍوالشيطان لا قدرة له على هدم السماء فأي حاجة إلى حفظ السماء منه ؟ وأجاب بأنه تعالى لما منعه من القرب منها فقد حفظ السماء من مقاربة الشيطان فيكون حفظ اللّه تعالى السماء منهم كما نحفظ منازلنا ممن ينجس ويخشى منه الفساد . قوله : ( واستراق السمع اختلاسه سرّا ) قال الإمام : لا يمكن حمل لفظ « إلا » على