الاحتجاج ضعيف إذ لا يلزم من تعاقب الضمائر توافقها في المرجوع إليه ولا يتعين أن تكون الجملة حالا من الضمير لجواز أن تكون حالا من « المجرمين » ولا ينافي كونها مفسرة للمعنى الأول بل يقويه .
وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ
( 13 ) أي سنة اللّه فيهم بأن خذلهم وسلك الكفر في قلوبهم أو بإهلاك من كذب الرسل منهم فيكون وعيد الأهل مكة .
شرح
التناقض لأن الكافر لا بد وأن يكون مؤمنا بكفره واستهزائه والذي لا يؤمن ولا يصدق بالكفر هو المسلم العالم ببطلان الكفر إذ هو بيان وتفسير لجملةكَذلِكَ نَسْلُكُهُفينبغي أن يكون المبين مشتملا على ما يشتمل عليه البيان . وأجاب المصنف عن وجوه احتجاجهم بأن الأصل في الضمائر أن ترجع إلى أقرب المذكورات وقوله تعالى :إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَبعيد وقوله :يَسْتَهْزِؤُنَقريب الأصل المذكور يقتضي أن يرجع ضمير « نسلكه » إلى الاستهزاء المدلول عليه بأقرب المذكورين ، ولا مانع من اعتبار هذا الأصل في ضمير « نسلكه » . فإن قلت : إنه راجع إلى الاستهزاء إذا لم يتحقق مانع وإلا فلا قلنا إنه راجع إلى الاستهزاء ، ولما تحقق المانع من اعتبار هذا الأصل في الضمير الثاني وهو لزوم التناقض قلنا إن الضمير الثاني يرجع إلى الذكر المذكور أولا . وتفريق الضمائر المتعاقبة على الأشياء المختلفة ليس بقليل في القرآن فإن تعاقب الضمائر لا يستلزم الرجوع إلى شيء واحد بل الأمر فيه موقوف على الدليل ، ولما دل الدليل في هذه الآية على رجوع الضمير الأول إلى الأقرب ورجوع الضمير الثاني إلى الأبعد عملنا بمقتضى الدليل .
وأجاب عن قولهم إن « يؤمنون به » حال من ضمير « نسلكه » فلو كان الضمير للاستهزاء لزم التناقض بقوله : « ولا يتعين أن تكون الجملة حالا من الضمير » الخ يعني أن التناقض إنما يلزم على تقدير كون ضمير « نسلكه » للاستهزاء وكون الجملة حالا منه ، وذلك غير لازم لجواز أن تكون حالا من « المجرمين » بل ويجوز أن لا يكون لها محل من الإعراب بأن تكون جملة مستأنفة لبيان حالهم بدخول الاستهزاء في قلوبهم ويكون المعنى لا يؤمنون بسببه . وأجاب عن قولهم إن كون الجملة الثانية بيانا للأولى يستدعي أن يكون ضمير نسلكه للذكر وهو ينافي كونه للاستهزاء بقوله : « ولا ينافي كونها مفسرة للمعنى الأول بل يقويه » فإن تمكن الاستهزاء بالرسل في القلب عبارة عن الامتناع عن الإيمان بسبب ذلك الاستهزاء فيصلح أن يكونلا يُؤْمِنُونَ بِهِتفسيرا لقوله :كَذلِكَ نَسْلُكُهُأي الاستهزاء في قلوبهم .
قوله : ( بأن خذلهم وسلك الكفر في قلوبهم ) قدم هذا المعنى لكونه أكثر ارتباطا بما ذكر قبل . وعلى المعنى الثاني يكون تهديدا لكفار مكة .