وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
( 11 ) كما يفعل هؤلاء ، وهو تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . و « ما » للحال لا يدخل إلا مضارعا بمعناه أو ماضيا قريبا منه وهذا على حكاية الحال الماضية .
كَذلِكَ نَسْلُكُهُ
ندخله
فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ
( 12 ) والسلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط والرمح في المطعون . والضمير للاستهزاء . وفيه دليل على أن اللّه تعالى يوجد الباطل في قلوبهم . وقيل : للذكر فإن الضمير الآخر في قوله :
لا يُؤْمِنُونَ بِهِ
له وهو حال من هذا الضمير . والمعنى مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين مكذبا غير مؤمن به . أو بيان للجملة المتضمنة له وهذا
شرح
الرسل ، لما تقرر من أن الرسول من له معجزة باهرة وكتاب سماوي والنبي صاحب المعجزة فقط وليس له كتاب سماوي ، فلو اقتصر على قوله : « نبأنا رجالا فيهم » لكان المذكور بعض معنى « أرسلنا » وهو بصدد بيان تمام معناه فدل بقوله : « نبأناهم فيهم » على معنى أعطيناهم المعجزة وبقوله : « وجعلناهم رسلا فيما بينهم » على معنى صيّرناهم صاحب كتاب وشريعة مستقلة . والفائدة في ارتكاب ما يحوج إلى اعتبار التضمين الإعلام بمزيد تمكين الرسل واستقرارهم فيما بين الأمم .
قوله تعالى :( وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ )نظير قوله تعالى :وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ[ الشعراء : 208 ] فيكون المنفي فيه صفة لرسول اللّه على ما اختاره المصنف لأنه في قوة أن يقال : أتاهم رسول مستهزأ به ولم يأتهم رسول غير مستهزأ به ويكون حالا من مفعوليَأْتِيهِمْعلى ما اختاره السكاكي والكاف في قوله تعالى :كَذلِكَمنصوب المحل على أنه صفة مصدر محذوف أو حال منه أي سلكنا الاستهزاء في قلوبهم سلكنا مثل هذا السلك . ويحتمل أن يكون مرفوع المحل على أنه صفة مصدر محذوف أو حال منه أي الأصل كذلك ويستأنف وقوله : « وقيل للذكر » ، فإن المعتزلة لما أبوا من إرجاع ضميرنَسْلُكُهُإلى الاستهزاء المدلول عليه بقوله :يَسْتَهْزِؤُنَعلى أن الاستهزاء بالأنبياء كفر وضلال واللّه تعالى لا يخلق الباطل في قلب العبد على زعمهم ، قالوا : إن الضمير للذكر واستدلوا عليه بأن الضمير « في » قوله :لا يُؤْمِنُونَ بِهِعائد إلى القرآن بالإجماع فوجب أن يكون ضميرنَسْلُكُهُأيضا عائدا إليه لأنهما ضميران متعاقبان فيجب عودهما إلى شيء واحد :
قوله : ( لا يؤمنون به ) حال من ضمير « نسلكه » فلو كان ذلك الضمير للاستهزاء لكان المعنى : نسلك الاستهزاء في قلوبهم حال كونهم لا يؤمنون بذلك الاستهزاء ، وذلك يوجب