ابتداء أو بعد التوفيق للتوبة . وفيه دليل على أن كل ذنب فللّه أن يغفره حتى الشرك إلا أن الوعد فرق بينه وبين غيره .
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي
أي بعض ذريتي أو ذرية من ذريتي فحذف المفعول وهو إسماعيل ومن ولد منه فإن إسكانه متضمن لإسكانهم .
بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
يعني وادي مكة فإنها حجرية لا تنبت
عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
الذي حرمت التعرض له والتهاون به أو لم يزل معظما ممنعا تهابه الجبابرة . أو منع منه الطوفان فلم يستول عليه ولذلك سمي عتيقا أي أعتق منه . ودعا بهذا الدعاء أول ما قدم فلعله قال ذلك باعتبار ما كان أو ما سيؤول إليه . روي أن هاجر كانت لسارة رضي اللّه عنها فوهبتها لإبراهيم عليه
شرح
قوله : ( وفيه دليل على أن كل ذنب فللّه تعالى أن يغفره ) لأن هذا الكلام من إبراهيم عليه الصلاة والسّلام شفاعة منه في حق أهل العصيان مطلقا بأن يغفر لهم ويرحمهم بأي وجه كان . ولا شك أن مطلق المعصية يتناول الشرك وما دونه فلو كان مغفرة الشرك مما يستحيل عليه تعالى لما وقعت هذه الشفاعة منه عليه الصلاة والسّلام كأنه يقول : فإنك تقدر على أن تغفر أو ترحم للمشرك مع عظم جرمه فضلا عن سائر العصاة فأسألك أن تغفر وترحم من لا تكون مغفرتهم ورحمتهم مخالفة لحكمتك . وفي « الوسيط » قال : قوله عليه الصلاة والسّلاموَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌمعناه ومن عصاني ثم تاب فإنك عفور رحيم . وقال مقاتل : فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم . وقال ابن الأنباري : ويحتمل أن هذا كان قبل أن يعلمه اللّه أنه يغفر الشرك كما استغفر لأبيه . وقال الإمام : هذا القول من إبراهيم عليه الصلاة والسّلام في حق أهل الكبائر ممن آمن منهم لا في إسقاط عقاب الكفر والشرك لأنه عليه الصلاة والسّلام قال في مقدمة هذه الآية :وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَولما تبرأ من الكفر بهذا الإجمال دل على أنه لا تجوز الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر ودل ذلك على أنه ليس مراده الشفاعة في حق المشركين . قوله : ( الذي حرمت التعرّض له ) ذكر لتوصيف البيت بالمحرم ثلاثة أوجه مبنى الوجه الأول على كون المحرم من التحريم الذي هو ضد التحليل وصف البيت بكونه محرما مبالغة في توصيفه بحرمة إهانته والتعرض له بسوء ، ومبنى الوجه الآخر ليس على كونه من التحريم بالمعنى المذكور وإنما هو بمعنى المنع كما في قوله :وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ[ القصص : 12 ] فإنه ليس بمعنى لا يحل له المراضع بل هو بمعنى المنع أي منعناها عنه ليرده إلى أمه ، فكذا قوله :عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِأي الممنوع عن الخلق حتى لم يقدر أحد من الفراعنة والملوك على الغلبة عليه أو الممنوع منه الطوفان .
قوله : ( ودعا بهذا الدعاء أول ما قدم ) جواب عما يقال : إسكان الخليل إسماعيل بمكة قبل بنائهما الكعبة فكيف يصح له عليه الصلاة والسّلام أن يقول : أسكنت بواد عند بيتك المحرم ؟