تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
أو من قبل أن يأتي يوم لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه اللّه تعالى . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بالفتح فيهما على النفي العام .
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
مبتدأ وخبر
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
شرح
قوله : ( أو من قبل أن يأتي يوم لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة ) لما كان أهل الدنيا ينتفعون بالإنفاق الواقع في عقد المعاوضات بأن يعطوا شيئا من المال ليأخذوا ما يرغبون فيه عوضا عنه ، وفي عقد التبرعات الواقعة بين الأصدقاء على طريق المهاداة بأن يعطوا شيئا على وجه الهدية ليستخيروا بذلك ما هو خير منه في حب اللّه تعالى أي الإنفاق الواقع لوجه اللّه تعالى بأن يشارك في المنفعة التي تترتب على هذا الإنفاق الواقع في عقد المعاوضة والمهاداة ، فالمنفي بقوله تعالى :لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌهو غايتهما ومنفعتهما المترتبة عليهما . فعلى هذا المقصود من الآية الحث على الإنفاق الواقع في عقد المبايعة ومهاداة الإخلاء ، ونفي الانتفاع في ذلك اليوم بهما كناية عن الانتفاع بمقابلهما ومحصول المعنى على الوجه الأول : أن الإنفاق أمر مطلوب في نفسه فليغتنموه قبل أن يفوت وقت هذا المطلوب ولا يدركه الطالب ، وعلى الثاني أن الإنفاق الذي يتصور منكم في الدنيا يكون على ثلاثة أوجه . لا تنتفعون بشيء منها في الآخرة إلا أن يكون على الوجه الثالث . والخلال المخالة وهي المصاحبة والمصادقة يقال : خاللته خلالا ومخالة . وقيل : الخلال جمع خلة كبرمة وبرام . فإن قيل : كيف نفى المخالة في هذه الآية مع أنه تعالى أثبتها في قوله :الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ[ الزخرف : 67 ] ؟ فالجواب أن الآية الدالة على نفي المخالة محمولة على المخالة بمثل ميل الطبيعة ورغبة النفس ، والآية الدالة على حصول المخالة محمولة على المخالة بسبب عبودية اللّه ومحبة اللّه . ثم إنه تعالى لما ذكر أحوال السعداء وأحوال الأشقياء وكانت معرفة أحوالهما منوطة بمعرفة الصانع بذاته وصفاته ختم وصف أحوالهما بذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال علمه وقدرته . وذكر ههنا عشرة أنواع من الدلائل وهي : خلق السماوات وخلق الأرض وإخراج الثمرات بسبب إنزال الماء من السماء ، وتسخير الفلك لتجري في البحر ، وتسخير الأنهار وتسخير الشمس وتسخير القمر وتسخير الليل وتسخير النهار ، وإعطاء البعض من جميع ما يطلبه . فإنه كما بينها بهذه الدلائل الدالة على سلطانه وقدرته حيث سخر هذه الأشياء مع شدتها وصلابتها وعظمها وأهوالها وجعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض ، ذكرنا أيضا نعمه التي أنعمها علينا إذ تسخير هذه الأشياء منادى بذلك . قوله : ( وأنزل من السماء ماء ) فيه قولان : الأول أن الماء ينزل من السحاب وسمي السحاب سماء للاشتقاق من السمو والارتفاع . والثاني أنه ينزل من نفس السماء وهو بعيد لأن الإنسان ربما يكون واقفا على جبل عال ويرى الغيم أسفل منه