العبودية . ومقول « قل » محذوف دل عليه جوابه أي قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا .
يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ
فيكون إيذانا بأنهم لفرط مطاوعتهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بحيث لا ينفك فعلهم عن أمره وأنه كالسبب الموجب له . ويجوز أن يقدر بلام الأمر ليصح تعلق القول بهما وإنما حسن ذلك ههنا ولم يحسن في قوله :
محمد تفد نفسك كل نفس * إذا ما خفت من أمر تبالا
لدلالة قل عليه . وقيل : هما جوابا « أقيموا » و « أنفقوا » قائمين مقامهما ، وهو ضعيف لأنه لا بد من مخالفة ما بين الشرط وجوابه ولأن أمر المواجهة لا يجاب بلفظ الغيبة إذا
شرح
على طريق الندب والإباحة ، وكان التمتع بالشهوات غير مطلوب بوجه ما فضلا عن أن يكون وسيلة إلى مطلوب آخر وهو كون المصير إلى النار . جعل المصنف صيغة الأمر للتهديد كقول الطبيب للمريض الذي خالف أمره بترك الاجتناب عما يضره بعد ما أمره الطبيب به مرات : كل ما شئت فإن مصير أمرك إلى الموت ، يريد به التهديد ليرتدع المريض عما هو عليه ويقبل قول الطبيب . فكذلك اللّه تعالى ترك الكفار وخلاهم وأنفسهم قائلا : تمتعوا ، والمقصود ردعهم عن تلك الحالة . ثم بيّن أن فائدة تخصيص صيغة الأمر لتأدية معنى التهديد أمران : الأول أن ترتب المهدد عليه على المهدد به إيذان باستعارة تمثيلية شبه حال المخاطب في انهماكه في التمتع المؤدي إلى النار بحال من أمر بالتمتع من قبل الآمر المطاع الذي ليس في وسع المخاطب مخالفته ، فأطلق في حقه العبارة الواقعة في حق المشبه به فقيل في تهديده : تمتعوا . والثانية إيذان بأن كل واحد من المهدد عليه وبه واقع لا محالة بحيث يترتب الثاني على الأول .
قوله : ( ويجوز أن يقدر بلام الأمر ) عطف على قوله : « ومقول قل محذوف » أي ويجوز أن لا يكون مقولة محذوفا بأن يحتمل أن يكون « يقيموا » و « ينفقوا » مجزومين بلام الأمر المقدرة ، ويكون التقدير : ليقيموا ولينفقوا ليصح كونهما مقولي القول كما تقول : قل لزيد يضرب عمرا فإنه قد يحذف الجازم ويبقى عمله . ولما ورد أن يقال : كيف يجوز حذف لام الأمر مع أن أهل اللغة وضعوا لأمر المخاطب صيغة مخصوصة وعينوا لام الأمر للدلالة على أن المأمور ليس بمخاطب ، فلا يجوز أن يقال : يضرب زيد ويراد أمر زيد بالضرب لأن المعاني إنما تستفاد من الألفاظ الموضوعة للدلالة عليها ، وعند حذف الدليل كيف ينتقل الذهن إلى المدلول ؟ أجاب عنه بقوله : « وإنما حسن ذلك » أي إنما حسن حذف لام الأمر في هذه الآية مع أنه لا يحسن حذفها في نحو قول الشاعر :( محمد تفد نفسك كل نفس * إذا ما خفت من أمر تبالا )