تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ
كمثل شجرة
خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ
استؤصلت وأخذت جثتها بالكلية
مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ
لأن عروقها قريبة منه
ما لَها مِنْ قَرارٍ
( 26 ) استقرار . واختلف في الكلمة والشجرة ؛ ففسرت الكلمة الطيبة بكلمة التوحيد
شرح
وأغصانها يدل على كمال تلك الشجرة من وجهين : الأول ارتفاع الأغصان وقوتها يدل على ثبات الأصل ورسوخ العروق ، والثاني أنها متى كانت متصاعدة مرتفعة كانت بعيدة عن عفونات الأرض وقاذوراتها فتكون ثمراتها حاضرة دائمة في جميع الأوقات وتكون في غاية الشرف والكمال بحيث تعظم رغبة كل عاقل في تحصيل مثلها . فشبه اللّه تعالى الكلمة الطيبة بهذه الشجرة ترغيبا للمكلفين في تحصيلها ثم قال :وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَفإن في ضرب الأمثال زيادة الإفهام لأن المعاني العقلية المحضة لا يقبلها الحس والخيال والوهم فإذا ذكر ما يماثلها من المحسوسات ترك الحس والخيال المنازعة والمدافعة للعقل فيحصل الفهم التام . ثم شبه الكلمة الخبيثة التي لا يعضدها حجة ولا يؤيدها عقل ولا نقل بالشجرة الخبيثة الكثيرة المضار الخالية عن المنافع فأشار إلى كثرة مضارها بقوله :خَبِيثَةٍوإلى خلوها عن المنفعة بقوله :اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍوالكشوث نبت يتعلق بأغصان الشجرة من غير أن يضرب بعرق في الأرض قال الشاعر :هو الكشوث فلا أصل ولا ورق * ولا نسيم ولا ظل ولا ثمروالكلمة التي تعرب عن الحق يثبت أصلها ودليل حقيتها في قلب المؤمن ويرتفع ما يترتب عليها من الأعمال الصالحة إلى السماء ويغتنم المؤمن بركاتها وثوابها في كل وقت وزمان ، والكلمة الخبيثة تخالفها حينئذ في جميع ذلك . لما مثل اللّه تعالى الكلمة الطيبة بالشجرة الموصوفة بيّن أنه تعالى يثبت المؤمن بسببها في الحياة الدنيا وفي الآخرة فقال :يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواوالباء في قوله :بِالْقَوْلِ الثَّابِتِللسببية وهو متعلق بقوله :يُثَبِّتُوكذا قوله :فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِوالمقصود بيان أن الثبات على الكلمة الطيبة يوجب الثبات في الثواب والكرامة من اللّه في الدنيا والآخرة . روي أن جرجيس كان من الحواريين من أصحاب عيسى عليه الصلاة والسّلام علمه اللّه الاسم الذي يحيي به الموتى ، وكان بأرض الموصل جبار عنيد يعبد الصنم فدعاه جرجيس إلى عبادة اللّه تعالى ونهاه عن عبادة الصنم فأمر به فشد رجلاه ويداه ودعا بأمشاط من حديد فسرح بها صدره ويديه ، ثم صب عليه الماء المالح فصبره اللّه تعالى عليه . ثم دعا بمسامير من حديد فسمر بها عينيه وأذنيه فصبره اللّه عليه ، ثم دعا بحوض من نحاس فأوقد تحته حتى ابيضّ ثم ألقى فيه وأطبق رأسه فجعله اللّه تعالى له بردا وسلاما وزاده حسنا وجمالا . ثم قطع أعضاءه إربا إربا فأحياه اللّه ودعاهم إلى اللّه وأحيا الموتى ولم يؤمن الملك ، فأهلكه اللّه تعالى مع قومه