قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
خالقهما ومتولي أمرهما .
قُلِ اللَّهُ
أجب عنهم بذلك إذ لا جواب لهم سواه ولأنه البين الذي لا يمكن المراء فيه أو لقنهم الجواب به .
قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ
ثم ألزمهم بذلك أن اتخاذهم منكر بعيد عن مقتضى العقل .
أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا
لا يقدرون على أن يجلبوا إليها نفعا أو يدفعوا عنها ضرّا فكيف يستطيعون إنفاع الغير ودفع الضر عنه ، وهو دليل ثان على ضلالهم وفساد رأيهم في اتخاذهم أولياء رجاء أن يشفعوا لهم .
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ
المشرك الجاهل بحقيقة العبادة والموجب لها والموحد العالم بذلك . وقيل :
المعبود الغافل عنكم والمعبود المطلع على أحوالكم .
أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ
الشرك والتوحيد . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالياء .
أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ
بل أجعلوا
شرح
مصدر آصل على وزن أفعل بمعنى دخل في الأصيل كأصبح بمعنى دخل في الصباح . ثم إنه تعالى لما قرر أن جميع الكائنات تنقاد له وتخضع إجلالا له وتوقيرا عاد إلى الرد على المشركين بأن أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يسألهم سؤال التقرير فقال له :قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ،ولما تعيّن لهم أن يجيبوا بالإقرار في أن لا رب لهما سواه كلّف تعالى رسوله أن يجيب عنهم بذلك تنبيها على أنهم يقرون بذلك ولا ينكرونه البتة فكأنه حكاية لاعترافهم به وتأكيد له عليهم . ثم ألزمهم الحجة فقال :قُلْأبعد إقراركم هذا تتخذون من دونه أولياء ثم ضرب مثلا للذين يعبدون الأصنام وللذين يعبدون اللّه تعالى فقال تعالى :قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُيعني المشرك والمؤمن أم هل تستوي الظلمات والنور يعني الشرك والإيمان ؟ فإنه تعالى لما احتج أولا على ضلالهم وفساد رأيهم في اتخاذهم أولياء يدعونهم من دون اللّه تعالى بكونها جمادات لا تحس بدعائهم إياها ولا تدرك مقصودهم من الدعاء ولا تقدر أن تجيب دعاءهم ، وثانيا بأنها لا تملك أن تجلب لنفسها نفعا وأن تدفع عنها ضرا فضلا عن غيرها ، بيّن بعد ذكر هاتين الحجتين أن الجاهل بمعنى هذه الحجة يكون كالأعمى وأن العالم بها كالبصير ، ثم ذكر أن الجهل بمثل هذه الحجة كالظلمات وأن العلم بها كالنور ، وكما أن أصل كل واحد يعلم بالضرورة أن الأعمى لا يساوي البصير كذلك يعلم كل أحد بالضرورة أن الجاهل بهذه الحجة لا يساوي العالم بها وهو المراد بقوله تعالى :قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ .قوله : ( وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ) « يستوي الظلمات » بالياء من تحت ، والباقون بالتاء من فوق باعتبار أن الفعل أسند إلى الظاهر المؤنث الغير الحقيقي ، وفي مثل هذا الفعل يجوز التذكير والتأنيث .
والفاء في قوله تعالى :قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْسببية مرتبة للكلام الثاني على الأول ، وأدخل همزة الإنكار بين السبب والسبب إنكارا على تعكيس الأمر وهو أن من علم أنه تعالى رب