زبد الماء وهو خبثه . و « من » للابتداء أو للتبعيض . وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالياء على أن الضمير للناس وإضماره للعلم به .
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ
مثل الحق والباطل فإنه مثل الحق في إفادته وثباته بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به الأودية على قدر الحاجة والمصلحة فينتفع به أنواع المنافع ويمكث في الأرض بأن يثبت بعضه في منابعه ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والقنى والآبار وبالفلز الذي ينتفع به في صوغ الحلي واتخاذ الأمتعة المختلفة ، ويدوم ذلك مدة متطاولة والباطل في قلة نفعه وسرعة زواله بزبدهما . وبيّن ذلك بقوله :
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً
بجفائه أي يرمي به السيل أو الفلز المذاب وانتصابه على الحال وقرىء « جفالا » والمعنى واحد
وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ
كالماء وخلاصة الفلز
فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
ينتفع به أهلها
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ
( 17 ) لإيضاح المشتبهات
لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا
للمؤمنين الذين استجابوا
لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى
الاستجابة الحسنى
وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ
وهم الكفرة ، واللام متعلقة « بيضرب » على أنه جعل ضرب المثل لشأن الفريقين ضرب المثل
شرح
كائنا وثابتا فيها وقوله تعالى :ابْتِغاءَ حِلْيَةٍمفعول له ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال أي مبتغين حلية يتزينون بها وقوله :أَوْ مَتاعٍعطف على « حلية » . والمتاع كل ما يتمتع به . وقرأ حمزة والكسائي وحفص « يوقدون » بياء الغيبة أي مما يوقد الناس ، والباقون بتاء الخطاب . قوله : ( جفاء ) حال أي باطلا مرميا . الجوهري : الجفاء ما نفاه السيل يقال :
جفأ الوادي إذا رمى بالغثاء والزبد ، وجفأ القدر إذا رمى بزبده عند الغليان ، واجفأ لغة فيه ، والجفال بالضم ما نفاه السيل ، وجفالة القدر ما أخذته بالمغرفة . انتهى . والكاف في قوله تعالى :كَذلِكَفي محل النصب أي مثل ذلك الضرب والبيان يضرب اللّه تعالى ويبين مثل الحق والباطل لأن العرب كانت عادتهم أنهم يثبتون المقصود بالمثل . وقد أنزل اللّه تعالى القرآن بلغة العرب فأوضح لهم الحق وميزه عن الباطل بالمثل كما أوضح المشرك الجاهل بحقيقة العبادة والموجب لها وميزه عن الموحد العالم بذلك بأن مثل الأول بالأعمى والثاني بالبصير ، وكذلك ميز الشرك والتوحيد بمثل آخر فمثل الحق والتوحيد بالماء الصافي وبالفلز ومثل الشرك والباطل بزبدهما ، وبيّن وجه الشبه بما أثبته للمشبه به من الذهاب باطلا مطروحا والثبات نافعا مقبولا . قوله : ( واللام متعلقة بيضرب ) يعني أن قوله تعالى :لِلَّذِينَ اسْتَجابُوامتعلق « بيضرب » فيكون فريقا المؤمنين الذين استجابوا لربهم والكافرين الذين لم يستجيبوا له مضروبا لهما أي ضرب اللّه لهما المثل ، والمضروب له في الحقيقة شأنهما لأنفسهما وشأنهما هو استجابة أحد الفريقين وعدم استجابة الآخر . فقول المصنف رحمه اللّه : « ضرب المثل لشأن الفريقين » مفعول أول « لجعل » وقوله : « ضرب المثل لهما » مفعوله الثاني وجعل الحسنى