وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ
كثير الفائدة والنفع
مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
يعني التوراة أو الكتب التي قبله
وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى
عطف على ما دل عليه مبارك أي للبركات ولتنذر ، أو علة محذوف أي ولتنذر أهل أم القرى أنزلناه . وإنما سميت مكة بذلك لأنها قبلة أهل القرى ومحجهم ومجتمعهم وأعظم القرى شأنا . وقيل : لأن الأرض
شرح
يكون يلعبون حالا من ضمير خوضهم وجاز ذلك لأنه في قوة الفاعل لأن المصدر مضاف إلى فاعله . والتقدير : ذرهم يخوضوا لاعبين . قال بعضهم : هذه الآية منسوخة بآية السيف ، وهو بعيد لأن قوله :ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَمذكور لأجل التهديد وذلك لا ينافي حصول المقاتلة فلم تكن آية القتال رافعة لشيء من مدلولات هذه الآية فلا نسخ فيها . ثم إنه تعالى لما أبطل بالدليل قول من قال :ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍذكر بعده أن القرآن كتاب أنزله اللّه على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ووصفه أولا بقوله :أَنْزَلْناهُليعلم أن اللّه تعالى هو الذي تولى إنزاله بالوحي على لسان جبريل عليه السّلام وليس تركيب ألفاظه على هذه الفصاحة من قبل الرسول . ووصفه ثانيا بأنه مبارك أي كثير الفائدة والنفع وكيف لا ولم يوجد كتاب يحيط ما أحاط به القرآن العظيم من العلوم النظرية والعملية . أما العلوم النظرية فأشرفها هو معرفة ذات اللّه وصفاته وأفعاله وأحكامه ولا يوجد كتاب يفيد معرفة هذه الأمور ما أفاده القرآن .
وأما العلوم العملية فالمطلوب منها إما أعمال الجوارح وإما أعمال القلوب وهو المسمى بعلم الأخلاف وتزكية النفس فإنك لا تجد شيئا منهما مثل ما تجده في القرآن العظيم فخيره كثير ومنفعته عظيمة . ووصفه ثالثا بأنه مصدق لما قبله من الكتب الإلهية والأمر كذلك لأن الموجود في سائر الكتب الإلهية إما أصول الشرائع أو فروعها ، والأصول لا تختلف باختلاف الملل والأديان والأزمان فوجب أن يكون القرآن موافقا ومطابقا لما في سائر الكتب من أصول الدين . وأما علم الفروع والأحكام فإنه وإن وقع الاختلاف فيها باختلاف الأزمنة والأمم إلا أن ما وقع في كل عصر وزمان لما كان موافقا لما اقتضته الحكمة والمصلحة كانت الأحكام متوافقة من هذه الحيثية مصدقا بعضها بعضا . هذا ما خطر ببالي . وقال الإمام : وأما علم الفروع فقد كانت الكتب الإلهية المتقدمة على القرر مشتملة على البشارة بمقدم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإذا كان الأمر كذلك فقد حصل في تلك الكتب أن التكاليف الموجودة فيها إنما تبقى إلى وقت بعثته عليه الصلاة والسّلام ، وأما بعد ظهور شرعه فإنها تصير منسوخة والقرآن مصدق لهذا المعنى وموافق له . قوله : ( لأنها قبلة أهل القرى ) فصارت كالأصل لسائر القرى . وأيضا لما اجتمع الخلق إليها لأجل الحج الذي هو من أصول العبادات كما تجتمع الأولاد إلى الأم صارت كالأم لهم . وأيضا لما كانت أعظم القرى شأنا صارت بالنسبة إلى سائر القرى كالأم بالنسبة إلى الأولاد . وأيضا لما دحيت الأرضون من