تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
حين جسروا على هذه المقالة والقائلون هم اليهود قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن بدليل نقض كلامهم وإلزامهم بقوله :
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً
شرح
لم لا يجوز أن يقال العقل كاف في إيجاب الواجبات وتحريم المنكرات ؟ فالجواب هب أن الأمر كما قلتم إلا أنه لا يمتنع تأكيد التعريف العقلي بالتعريفات المشروعة على ألسنة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسّلام فثبت أن كل من منع البعثة والرسالة فقد طعن في حكمة اللّه تعالى فكان ذلك جهالة بصفة الإلهية فحينئذ يصدق في حقه ما قدروا اللّه حق قدره ووجه انتظام هذه الآية بما قبلها أنه قد تقرر أن مدار أمر القرآن العظيم على إثبات أمر التوحيد والنبوة والمعاد . ولما حكى اللّه تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام احتجاجه على حقية التوحيد وإبطال قاعدة الشرك وعبادة الكواكب والأصنام شرع بعده في تقرير أمر النبوة فقال :وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِحيث أنكروا النبوة والرسالة . قوله : ( قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن ) جواب عما يقال : إن أهل الكتاب من اليهود والنصارى كيف يمكن لهم أن يقولوا :ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍبتنكير بشر وشيء والنكرة في سياق النفي تفيد العموم وهم معتقدون أن التوراة كتاب أنزله اللّه على موسى ، والإنجيل كتاب أنزله اللّه على عيسى عليهما الصلاة والسّلام ؟ وتقرير الجواب أن قائل هذا القول لما حمله الغضب على أن ينكر نبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وإنزال القرآن عليه أراد أن يقول لست مرسلا وما أنزل اللّه عليك شيئا البتة إلا أنه قال :ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍمبالغة في ذلك الإنكار فقيل في جوابه إلزاما له : قد أنزل اللّه التوراة على موسى فلم لا يجوز إنزال القرآن على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كأنه أبرز كلامه في صورة الممتنعات حيث بالغ في إنكاره فألزم بتجويزه فلم يبق له بعد هذا الإلزام إلا أن يطالبه بالمعجز الدال على وقوع هذا الجائز في خصوص محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فإن أتى به فقد حصل الإفحام وتم الكلام ولم يبق إلا الإسلام ، وإن أصر اليهود على أنه تعالى ما أنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم البتة مع أنه معترف بأنه تعالى أنزل التوراة على موسى فذلك محض الجهالة والتقليد . فإن قيل : قد اتفق أكثر المفسرين على أن هذه السورة مكية وأنها نزلت دفعة ومناظرات اليهود مع الرسول كانت مدينة فكيف يمكن تطبيق هذه الآية على تلك المناظرة ؟ وأيضا لما نزلت السورة دفعة واحدة فكيف يمكن أن يقال : هذه الآية المعينة إنما نزلت في الوقعة الفلانية ؟ أجاب عنه الإمام بأن القائلين بأن سبب نزول هذه الآية هنا مناظرة اليهود قالوا : السورة كلها مكية ونزلت دفعة واحدة إلا هذه الآية فإنها نزلت بالمدينة في هذه الواقعة . إلا أن الإمام أبا الليث وصاحب التيسير رويا أن هذه السورة كلها مكية . وكان مالك بن الصيف يخرج مع نفر إلى مكة معاندين ليسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن أشياء وقد كان من أحبار اليهود ورؤسائهم وكان رجلا