وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً
وقراءة الجمهور بالتاء ، وإنما قرأ بالياء ابن كثير وأبو عمرو حملا على
« قالُوا »
و
« ما قَدَرُوا »
وتضمين ذلك توبيخهم على سوء جهلهم بالتوراة وذمّهم على تجزئتها بإبداء بعض ما انتخبوه وكتبوه في ورقات متفرقة وإخفاء بعض لا يشتهونه . روي أن مالك بن الصيف قاله لما أغضبه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله :
« أنشدك الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن اللّه يبغض الحبر السمين » ؟ قال :
نعم . قال : « فأنت الحبر السمين » . وقيل : هم المشركون وإلزامهم بإنزال التوراة لأنه كان من المشهورات الذائعة عندهم ولذلك كانوا يقولون : لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم .
وَعُلِّمْتُمْ
على لسان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ
زيادة على ما في التوراة وبيانا لما التبس عليكم وعلى آبائكم الذين كانوا أعلم منكم . ونظيره أن هذا
شرح
سمينا فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له عليه الصلاة والسّلام : « أنشدك باللّه الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن اللّه يبغض الحبر السمين » قال : نعم . قال : « فأنت الحبر السمين قد سمنت من أكلتك التي يطعمك اليهود » فضحك القوم فجعل مالك بن الصيف فقال : غضبا ما أنزل اللّه على بشر من شيء . فلما رجع مالك إلى قومه قالوا له : ويلك ما هذا الذي بلغنا عنك ؟ قال : إنه قد أغضبني فلذلك قلت ما قلت . قالوا : أكلما غضبت قلت بغير حق وتقول غضبت فقلت بغير حق ؟ فأخذوا الرياسة والحبرية منه وجعلوها إلى كعب بن الأشرف فنزلت هذه الآيةوَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ .قوله : ( وقراءة الجمهور ) مجرور بالعطف على قوله :
« بدليل » فإن هذا الخطاب في الأفعال الثلاثة إنما يليق باليهود فدل ذلك على أن القائلين هم اليهود . قوله : ( وتضمين ذلك ) مجرور أيضا بالعطف على قوله : « نقض كلامهم وإلزامهم » وذلك إشارة إلى النقض والإلزام . قوله : ( وكتبوه في ورقات ) يدل على أن انتصاب « قراطيس » بنزع الخافض أي يجعلونه في قراطيس ويبدونها صفة قراطيس . قوله : ( وقيل هم المشركون ) عطف على قوله : « والقائلون هم اليهود » ولما ورد أن يقال : كفار قريش وإن كانوا ينكرون نبوة جميع الأنبياء ويقولون :ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍإلا أنه كيف يمكن نقض كلامهم وإلزامهم بنبوة موسى عليه السّلام ؟ أجاب عنه بقوله : « وإلزامهم بإنزال التوراة » وتقريره أن كفار قريش كانوا مختلطين باليهود وكانوا يسمعون ذكر موسى والتوراة وما أظهر اللّه تعالى على يده من المعجزات القاهرة فكان ذلك جاريا مجرى اعترافهم بنبوة موسى وإنزال التوراة عليه فلم يبعد إلزامهم بذلك . وعلى هذا قراءة الغيبة في الأفعال الثلاثة ظاهرة .
قوله : ( زيادة على ما في التوراة ) إشارة إلى أن« عُلِّمْتُمْ »خطاب لليهود كما ذهب إليه الأكثرون . ثم إن الأفعال الثلاثة أعني« تَجْعَلُونَهُ »و « تبدون » و« تُخْفُونَ »سواء قرئت على