تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
فاختصّ طريقتهم بالاقتداء . والمراد بهداهم ما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين دون الفروع المختلف فيها فإنها ليست هدى مضافا إلى الكل ولا يمكن التأسّي بهم جميعا ، فليس فيه دليل على أنه عليه الصلاة والسّلام متعبّد بشرع من قبله . والهاء في « اقتده » للوقف ومن أثبتها في الدرج ساكنة كابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم أجرى الوصل
شرح
قوله : ( فاختص طريقهم بالاقتداء ) أمر بالاختصاص وليس بماض والباء داخلة . على المقصور كما في قولك : نخصك بالعبادة أي اجعل اقتداءك مقصورا على هداهم وطريقهم . وقوله : « فبهداهم » متعلق « بأقتدة » قدم عليه ليفيد الاختصاص . فإن قيل : الواجب في الاعتقاديات وأصول الدين هو اتباع الدليل من العقل والسمع ولا يجوز سيما للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقلد غيره فما معنى أمره بالاقتداء بهم ؟ قلنا : معناه الأخذ به لكن لا من حيث إنه طريقهم بل من حيث إنه طريق العقل والشرع ، ففيه تعظيم لهم وتنبيه على أن طريقهم هي الحق الموافق لدليل العقل والسمع . فكأنه قيل : فخذ ما توافقوا عليه من التوحيد والتنزيه عن كل ما لا يليق بالباري تعالى في الذات والصفات والأفعال وأصول الدين مستدلا بالدليل الذي استدلوا به على ما اتفقوا عليه . فليس في الآية دليل على أنه عليه الصلاة والسّلام مكلف بشرع من قبله لأن من ذهب إلى حكم متمسكا بدليل يثبته لا يقال له إنه أخذ ذلك الحكم ممن قبله وإن وافقه في الاعتقاد بذلك الحكم وفي الاستدلال عليه بالدليل الذي استدل به من قبله . وموافقته إياهم على هذا الوجه لا تدل على أن يكون منصبه أقل من منصبهم ، بل احتج العلماء بهذه الآية على أنه عليه الصلاة والسّلام أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام لأن خصال الكمال وصفات الشرف كانت متفرقة فيهم : فداود وسليمان كانا من أصحاب الشكر على النعمة ، وأيوب كان من أصحاب الصبر على البلية ، ويوسف كان جامعا بينهما ، وموسى عليه الصلاة والسّلام كان صاحب المعجزات القاهرة ، وزكريا ويحيى وعيسى والياس كانوا أصحاب الزهد ، وإسماعيل كان صاحب الصدق ، فثبت أنه تعالى إنما ذكر كل واحد من هذه الأنبياء لأن الغالب عليه كان خصلة معينة من خصال المدح والشرف . ثم إنه تعالى لما ذكر الكل أمر سيد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم أجمعين بأن يقتدي بهم بأسرهم فكأنه تعالى أمره عليه الصلاة والسّلام بأن يجمع من خصال العبودية أو الطاعة كل الصفات التي كانت منفرقة فيهم بأجمعهم ولما أمره اللّه تعالى بذلك امتنع أن يقال إنه قصر في تحصيلها فثبت أنه خصلها واجتمع فيه من خصال الخير ما كان متفرقا فيهم ، فوجب أن يقال إنه أفضل الأنبياء والمرسلين صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين . قوله : ( والهاء في اقتده للوقف ) أي وليس بضمير لأن « بهداهم » متعلق « باقتده » وهو لا يتعدى إلى مفعول ثان وحقها أن لا تثبت في حال الوصل كما لا تثبت همزة الوصل فيه ، لأن هذه الهاء في حال السكت بمنزلة همزة
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 89 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين