دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ
في العلم والحكمة . وقرأ الكوفيون ويعقوب بالتنوين
إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ
في رفعه وخفضه
عَلِيمٌ
( 83 ) بحال من يرفعه واستعداده له .
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا
أي كلا منهما
وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ
من قبل إبراهيم عدّ هداه نعمة على إبراهيم من حيث إنه أبوه وشرف الوالد يتعدى إلى الولد
وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ
الضمير لإبراهيم إذ الكلام فيه . وقيل لنوح لأنه
شرح
بمعمول له فيتعلق بمحذوف على أنه حال أي آتيناها إبراهيم حجة على قومه أو دليلا . قوله :
( وقرأ الكوفيون ويعقوب بالتنوين ) والباقون بإضافة درجات وانتصابها على أنها مفعول « نرفع » وأما على قراءة الكوفيين فانتصاب « درجات » يحتمل أن يكون على الظرفية و « من نشاء » مفعول « نرفع » أي نرفع من نشاء مراتب ومنازل . ويحتمل أن يكون على أنها مفعول ثان قدم على الأول وذلك يحتاج إلى تضمين « نرفع » معنى فعل يتعدى إلى اثنين وهو يعطي مثلا أي نعطي بالرفع من نشاء درجات أي رتبا فالدرجات هي المرفوعة لقوله : « رفيع الدرجات » وإذا رفعت الدرجة فقد رفع صاحبها ويحتمل أن ينتصب بنزع الخافض أي نرفع إلى منازل وإلى درجات والمراد بالدرجات ههنا درجات العلم والفهم والحكمة كما رفع درجات إبراهيم فيها حتى فاق في زمن صباح شيوخ أهل عصره واهتدى إلى ما لم يهتد إليه إلا أكابر الأنبياء .
قوله : ( عدّ هداه نعمة على إبراهيم ) فإن المقصود من هذه الآيات تعديد نعم اللّه تعالى على إبراهيم جزاء على إظهار حجة وحدانية اللّه تعالى وبذل نفسه في دعوة المشركين إلى عبادته . فإنه تعالى لما حكى عنه أنه أنكر على أبيه وقومه في عبادة الأصنام وأرشدهم إلى الحق بطريق النظر والاستدلال عدد وجوه نعمه وإحسانه عليه . فأولها قوله تعالى :وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَذكر اللّه تعالى نفسه باللفظ الدال على العظمة للدلالة على أن إيتاءه إبراهيم تلك الحجة من أشرف النعم وأجل العطايا والمواهب . وثانيها قوله تعالى :نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُفإنه تعالى بيّن به أنه خص إبراهيم بدرجة رفيعة عالية . وثالثها أنه جعله عزيزا في الدنيا حيث جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله ومن ذريته وأبقى هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة ، وهب اللّه تعالى لإبراهيم إسحاق من صلبه ويعقوب من صلب إسحاق نافلة له . فإنه تعالى رزقه أولادا مثل إسحاق ويعقوب وجعل أنبياء بني إسرائيل من نسلهما وجعل سيد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين من نسل إسماعيل عليه الصلاة والسّلام . وأيضا أخرجه من أصلاب أباء طاهرين مثل نوح وإدريس وشيث عليهم الصلاة والسّلام . فظهر أن المقصود بيان كرامة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام من جهة الآباء والأولاد وأن قوله تعالى :وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَجملة فعلية معطوفة على الجملة الاسمية التي هي قوله :وَتِلْكَ حُجَّتُناوعطف الاسمية على الفعلية وعكسه جائز ولم