أو أولو فضل . وإنما سمي بقية لأن الرجل يستبقي أفضل ما يخرجه ، ومنه يقال : فلان من بقية القوم أي من خيارهم . ويجوز أن يكون مصدرا كالتقية أي ذووا إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من العذاب . ويؤيده أنه قرىء « بقية » وهي المرة من مصدر بقاه يبقيه إذا راقبه
يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ
لكن قليلا منهم أنجيناهم لأنهم كانوا كذلك . ولا يصح اتصاله إلا إذا جعل استثناء من النفي اللازم للتحضيض .
وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ
أي ما أنعموا فيه من الشهوات
شرح
وجهان : أحدهما أنها صفة على فعيلة بمعنى فاعل ثم غلبت الاسمية عليها حيث لم تحتج إلى ذكر الموصوف وإجرائها عليه بل جعلت عبارة عن كل ما أطلق عليه الخير من العقل والتمييز والفضل فلذلك دخلت التاء فيها فإنها تدخل على الصفات لتدل على غلبة الاسمية عليها كالنطيحة والذبيحة . والوجه الثاني أن تكون مصدرا كالتقية بمعنى التقوى أي فهلا كان منهم ذوا إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط اللّه وعقابه .
قوله : ( وإنما سمى بقية ) يعني أن البقية بمعنى الصفة كناية عما أطلق عليه أنه خبر وجيد من قوة العقل والتدبير . ومن الصفات الفاضلة والأخلاق المرضية بناء على أن الاستبقاء من لوازم الخيرية والجودة فإن الرجل يستبقي أفضل ما يخرجه ويكسبه . قوله : ( لكن قليلا منهم أنجيناهم ) يعني أن قوله تعالى :إِلَّا قَلِيلًافإنهم كانوا ينهون لأن من شأن الاستثناء المتصل أن يصح نفي ما للمستثني منه عن المستثنى وإثبات ما ليس للمستثني منه للمستثنى كقولك :
جاءني القوم إلا زيدا فإنه ما جاءني وما جاءني أحد إلا زيدا ، فإنه جاءني بخلاف ما إذا لم يحمل الكلام على ظاهره بل أريد به النفي اللازم للتحضيض ضرورة أن التحضيض على الشيء إنما يكون بانتفائه ، فإنه حينئذ يصح أن يجعل الاستثناء متصلا . فكأنه قيل : ما كان من القرون أولوا بقية إلا قليلا وهو معنى صحيح . وغاية ما في الباب أنه انتصب المستثنى من غير الموجب مع أن الأفصح أن يرفع على البدل ولا محذور فيه ، كيف وقد قرىء « ما فعلوه إلا قليل » منهم بالرفع وكلمة « من » في قوله تعالى :مِمَّنْ أَنْجَيْناحقها أن تكون للبيان لا للتبعيض وذلك لأن البيان والمبين شيء واحد كما في قوله تعالى :فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ[ الحج : 30 ] فعلى تقدير جعلها للبيان يكون القليل الذي نهوا هم الناجون وحدهم دون غيرهم ، ويكون الكثير الذين لم ينهوا محكوم عليهم بالعذاب . وهذا المعنى مطابق لما في سورة الأعراف من قوله تعالى :أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ[ الأعراف : 165 ] وأما إذا حمل على التبعيض يكون « ممن أنجينا » بدلا من « قليلا » فيلزم أن يكون الناهون بعض الناجين غير الناهين ، وليس كذلك بل لما مر من أن كل من هو غيرناه محكوم عليه بالعذاب . قوله : ( ما أترفوا فيه أي ما أنعموا فيه من الشهوات ) يريد أن