إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ
إلا ناسا هداهم اللّه من فضله فاتفقوا على ما هو أصول دين الحق والعمدة فيه .
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
إن كان الضمير « للناس » فالإشارة إلى الاختلاف واللام للعاقبة أو إليه وإلى الرحمة . وإن كان « لمن » فإلى الرحمة
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ
وعيده أو قوله للملائكة
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
أي من عصاتهما
أَجْمَعِينَ
( 119 )
شرح
الذين لم ينهوا . ثم إنه تعالى لما بيّن أن سبب إهلاك الأمم السالفة أمران : الأول فشو الظلم فيما بينهم والثاني اتباعهم الشهوات بيّن أنه ليس من شأنه ولا يصح له أن يهلك القرى بمجرد شركهم إذا كانوا مصلحين في المعاملات الواقعة فيما بينهم . والحاصل أن عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم معتقدين للشرك والكفر بل إنما ينزل ذلك العذاب إذا أساؤوا في المعاملات وسعوا في إيذاء الخلق وظلمهم . ولهذا قال الفقهاء : إن حقوق اللّه تعالى مبناها على المسامحة والمساهلة وحقوق العباد مبناها على الضيق والشح . ويقال في الأثر « الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم » . واللام في قوله تعالى :لِيُهْلِكَلام الجحود وينتصب الفعل بعدها بإضمار « أن » وهي متعلقة بخبر « كان » المحذوف والتقدير : وما كان اللّه مريدا لإهلاك القرى بمجرد الظلم . والمراد به ههنا الشرك لقوله تعالى :إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[ لقمان : 13 ] وهذا مذهب البصريين . وقال الكوفيون : « يهلك » خبر « كان » زيدت اللام فيه دلالة على التأكيد و « بظلم » متعلق « بيهلك » والباء فيه سببية . وجوز الزمخشري عفا اللّه عنه أن يكون حالا من فاعل« لِيُهْلِكَ »وقوله :وَأَهْلُها مُصْلِحُونَجملة حالية .
قوله : ( إلا ناسا الخ ) إشارة إلى أن الاستثناء متصل من الضمير في « مختلفين » وإن جاز كونه استثناء من فاعل « يزالون » ولا ضرورة تدعو إلى جعله استثناء منقطعا بمعنى لكن من رحم لم يختلفوا . قوله : ( واللام للعاقبة ) لا للعلة لأن أفعاله تعالى غير معللة ، ولأنه تعالى لو خلقهم للاختلاف وإرادة منهم لكان لا يجوز أن يعذبهم عليه إذا كانوا مطيعين له تعالى بذلك الاختلاف وكانت الآية حينئذ مخالفة لقوله تعالى :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات : 56 ] . قوله : ( أو إليه وإلى الرحمة ) أي إن كان الضمير « للناس » يجوز أن تكون الإشارة الاختلاف وإلى الرحمة كما قال ابن عباس رضي اللّه عنهما في رواية عطاء : يريد أنه تعالى خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف ، وخلق الجنة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها أهلا . وهذا اختيار الفراء والزجاج . قال الزجاج رحمه اللّه : ويدل على صحة هذا قوله تعالى بعده :وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَقال الكلبي رحمه اللّه : يريد من كفار الجن وكفار الإنس . وهذا تصريح بأنه تعالى خلق أقواما للهداية والجنة وأقواما للضلالة والنار . و « أجمعين » تأكيد والأكثر أن يسبق بكل وقد