بعضهم وهم فساق الموحدين يخرجون منها ، وذلك كاف في صحة الاستثناء لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض وهم المراد بالاستثناء الثاني فإنهم مفارقون عن الجنة أيام عقابهم . فإن التأبيد من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداء كما ينتقض باعتبار الانتهاء وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم . ولا يقال : فعلى هذا لم يكن قوله :
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
تقسيما صحيحا لأن من شرطه أن تكون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه لأن ذلك الشرط من حيث التقسيم لانفصال حقيقي أو مانع من الجمع . وههنا المراد أن أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين وأن حالهم لا يخلو عن السعادة والشقاوة وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص باعتبارين ، أو لأن أهل النار
شرح
شاء ربك فلا يخلدون فيه على أن « ما » موصولة أو موصوفة . ويحتمل أن يكون المستثنى منه الضمير المستتر فيخالِدِينَفتكون كلمة « ما » عبارة عن « من » على رأي من رأى ذلك .
كأنه قيل : الحق الذي لا محيص عنه أن يحمل « ما » على معنى « من » لإفادة معنى الوصفية وهي المرحومية لتؤذن أن إخراجهم بمحض مشيئته وسبق رحمته لا لاستحقاق منهم فينطبق عليه قوله تعالى :إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ[ هود : 107 ] وتحقيقه أن قوله تعالى :خالِدِينَ فِيهاحال مقدرة من ضمير استقرار في الظرف وهو قوله : فيالنَّارِوأنت تعلم أن الحال قيد للحكم فإذا انتفى الحكم عن البعض بالاستثناء ينتفي كونه مقيدا . والمعنى : أن الذين شقوا مستقرون في النار مقدرين الخلود إلا المرحوم الذي شاء اللّه أن لا يستقر مخلدا ، فيفيد إما أن لا يستقر فيها مطلقا أو يستقر غير مخلد . وأحوال العصاة على هذا النهج كما علم من النصوص الصحيحة . نقل الإمام عن بعض المفسرين أنهم قالوا : هذا الاستثناء يفيد إخراج أهل التوحيد من النار لأن قوله :إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَيوجب أن لا يبقى ذلك الحكم على ذلك المجموع ويكفي في زوال حكم الخلود زواله عن بعضهم ، فوجب أن لا يبقى حكم الخلود لبعض الأشقياء . ولما ثبت أن الخلود واجب للكفار وجب أن يقال : إن الذين زال حكم الخلود عنهم هم الفساق من أهل الصلاة . وأما قوله تعالى :وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ[ هود : 108 ] فيفيد أن جملة السعداء محكوم عليهم بهذا الحكم وقوله :إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَأوجب زوال حكم الخلود عن المجموع في الجنة ويكفي في زواله عن الجميع زواله عن البعض وما ذلك البعض إلا الفساق من السعداء . وليس زوال حكم الخلود عنهم بأن يدخلوا الجنة ثم يخرجوا منها إلى النار وأن كل من يدخل الجنة فهو خالد فيه بعد دخوله فيها ، بل المراد من زوال حكم الخلود عنهم عدم دخولهم فيها من أول الأمر وهم ما خلدوا فيها تخليد من دخلها أول وهلة ، فإن الخلود في مكان كما ينتفي بالانتقال منه انتهاء ينتفي أيضا بأن لا يدخله ابتداء والفساق مفارقون عن الجنة أيام عذابهم . قوله : ( أو لأن أهل النار