المفهوم لأن دوامهما كالملزوم لدوامه وقد عرفت أن المفهوم لا يقاوم المنطوق . وقيل :
المراد سماوات الآخرة وأرضها ويدل عليه قوله :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ
[ إبراهيم : 48 ] وإن أهل الآخرة لا بد لهم من مظل ومقل . وفيه نظر لأنه تشبيه بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه ومن عرفه فإنما يعرفه بما يدل على دوام الثواب والعقاب فلا يجدي له التشبيه
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ
استثناء من الخلود في النار لأن
شرح
من قبيل المفهوم لأن الآية بمنزلة أن يقال : إن دامتا يدوم عذابهم فيفهم منه أن دوام عذابهم يستلزم دوامهما بحكم أن تحقق اللازم يستلزم تحقق الملزوم . ويفهم منه أيضا أن عدم دوامهما يستلزم عدم دوام عذابهم بحكم أن عدم الملزوم ملزوم لعدم اللازم وقد تقرر أن المفهوم لا يعارض المنطوق وهو دوام عذابهم وانقطاع دوامهما . قوله : ( وقيل ) أي قيل : إن التوقيت المذكور لبيان دوام عذابهم بدوام سماوات الآخرة وأرضها فهو بمنزلة أن يقال : إن دامتا يلزم دوام عذابهم وإن دام عذابهم يلزم دوامهما فلا محذور . قوله : ( وإن أهل الآخرة لا بد لهم من مظل ومقل ) فما أظلهم سماء وما أقلهم أرض لأن كل ما علاك فهو سماء وكل ما استقرت عليه قدمك فهو أرض . واعترض المصنف على الجواب بأن دوام السماوات والأرض إنما ينقطع لو كان المراد سماوات الدنيا وأرضها وليس كذلك لأن الكلام فيما بعد الحشر بل المراد سماوات الآخرة وأرضها وهي دائمة بقوله : « وفيه نظر » . وبيانه أن محصول قوله تعالى :خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُتشبيه عذابهم في دوامه بدوام السماوات والأرض ، ومن المعلوم أن التشبيه إنما يفيد إذا كان اتصاف المشبه به بوجه الشبه أظهر وأعرف بالنسبة إلى اتصاف المشبه وذلك يستلزم أن يكون نفس وجود المشبه به ظاهرا معروفا . والحال أن أكثر الخلق لا يعرف وجود سماوات الآخرة وأرضها فضلا عن دوامهما وإنما يعرفه بما يدل على دوام الثواب والعقاب فيكون اتصاف المشبه بوجه الشبه أعرف بالنسبة إليه فلا يجدي له التشبيه . وأجاب عنه صاحب الكشاف عفا اللّه عنه بقوله : أقول أما إذا أريد ما يظلمهم وما يقلهم فهو ظاهر السقوط لأن هذا القدر معلوم الوجود لكل عاقل ، وأما الدوام فليس مستفادا من دليل دوام الثواب والعقاب بل ما يدل على دوام الجنة والنار سواء عرف أنهما دار الثواب والعقاب وأن أهلهما السعداء والأشقياء من الناس أم لا ، فليس تشبيها من باب تشبيه ما يعرف بما لا يعرف بل الأمر بالعكس . انتهى كلامه . ووجه كونه من باب تشبيه ما لا يعرف أنه شبه تلك الدار بهذه الدار وأثبت لها ما لهذه الدار من المظلة والمقلة والجامع كونهما جنسين .
قوله : ( استثناء من الخلود ) أي من حكم الخلود المستثنى منه الزمان المدلول عليه بقوله تعالى :خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُأي إلا الزمان الذي أو إلا زمانا