تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 698

مساهمون:

ص٦٩٨
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ
وجبت له النار بمقتضى الوعيد
وَسَعِيدٌ
( 105 ) وجبت له الجنة بموجب الوعد . والضمير لأهل الموقف وإن لم يذكر لأنه معلوم مدلول عليه بقوله :
لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ
[ هود : 105 ] أو للناس
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ
( 106 ) الزفير إخراج النفس والشهيق رده ، واستعمالهما في أول النهيق وآخره . فالمراد بهما الدلالة على شدة كربهم وغمهم وتشبيه حالهم بمن
شرح
استولت بالكلام النافع المنجي وقرينة التخصيص قوله تعالى :مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ[ البقرة : 255 ] ولا يلزم من كون الكلام المتعلق بجلب النفع أو دفع الضر موقوفا على الإذن أن يكون جميع ما صدر من أهل الموقف مسبوقا بالإذن . ثم لما ورد أن يقال : هذه الآية تدل على أن بعض النفوس تتكلم بالإذن ويناقضه قوله تعالى :يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ[ المرسلات : 35 ] الآية فإنه يدل على أنهم لا ينطقون أصلا ولا يؤذن لهم . فأجاب عنه بوجهين لا يخفى محصولهما . قوله تعالى :( فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ )ظاهره يدل على أن أهل الموقف لا يخرجون من هذين القسمين اللذين أحدهما مخلد في النار أبدا إلا ما شاء ربك ، وثانيهما مخلد في الجنة أبدا إلا ما شاء ربك . فيلزم أن يكون أطفال المشركين والمجانين الذين لم يعملوا صالحا ولا كفرا غير خارجين عنهما . فإن قلت : إنهم من أهل الجنة فبلا إيمان ، وإن قلت : إنهم من أهل النار فبلا ذنب . روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال : سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن أطفال المشركين أهم من أهل الجنة أم من أهل النار ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اللّه أعلم بما كانوا عاملين من الكفر والإيمان إن عاشوا وبلغوا » . واعلم أن أمرهم فيما يتعلق بالأمور الدنيوية تبع لأشرف الأبوين وهو معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قال : « مع آبائهم » . وفيما يتعلق بأمر الآخرة من الثواب والعقاب موقوف موكول إلى علم اللّه تعالى لأن السعادة والشقاوة ليستا معللتين عندنا بالأعمال بل اللّه تعالى خلق من شاء سعيدا ومن شاء شقيا وجعل الأعمال دليلا على السّعادة والشقاوة ، وأنت تعلم أن عدم الدليل وعدم العلم به لا يوجبان عدم المدلول والعلم بعدمه ، فكما أن البالغين منهم شقي ومنهم سعيد كذلك الأطفال والمجانين . قوله : ( فالمراد بهما الدلالة على شدة كربهم ) فإن الإنسان إذا عظم غمه وقوي كربه انحصرت حرارته الغريزية وروحه الحيواني في داخل قلبه وعند ذلك يحتاج الإنسان إلى برد نفسه في داخل قلبه على مقدار قوته وقدرته على شدة التنفس حتى تتروح تلك الحرارة القوية بدخول الهواء البارد . ثم إن تلك الحرارة لما كانت محصورة في داخل القلب استولت البرودة على الأعضاء الخارجة فربما عجزت النفس عن دفع ذلك الهواء الكثير المستنشق فيبقى ذلك الهواء . فعلى قياس قول الأطباء الزفير هو استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 698 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين