وهو المعجزات القاهرة أو العصا . وإفرادها بالذكر لأنها أبهرها . ويجوز أن يراد بهما واحد أي ولقد أرسلناه بالجامع بين كونه آياتنا وسلطانا له على نبوته واضحا في نفسه أو موضحا إياها ، فإن أبان جاء لازما ومتعديا . والفرق بينهما أن الآية تعم الأمارة والدليل القاطع والسلطان يخص بالقاطع والمبين يخص بما فيه جلاء .
إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ
فابتعوا أمره بالكفر بموسى أو فما اتبعوا موسى الهادي إلى الحق المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة ، واتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلال والطغيان الداعي إلى ما لا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من
شرح
قوله : ( وهو المعجزات القاهرة ) على تقدير أن يراد بالآيات التوراة وما فيها من الأحكام . والمعنى : ولقد أرسلنا موسى بأحكام وتكاليف وأيدناه بالمعجزات القاهرة والبينات الباهرة .
قوله : ( أو العصا ) على تقدير أن يراد بالآيات جملة ما أعطاه اللّه تعالى من المعجزات وهي تسع آيات بينات : العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص الأموال والأنفس . ومنهم من أبدل نقص الأموال والأنفس بإظلال الجبل وفلق البحر ، فيكون إفراد العصا بالذكر مع أنها داخلة في الآيات بالمعنى المذكور لكونها أشهرها وأبهرها ، فيكون من عطف الخاص على العام للشرف كملائكته ورسله وجبريل وميكال عليهم الصلاة والسّلام . هذا على تقدير أن يكون الموصوف بكونه آيات غير ما وصف بأنه سلطان ، ويكون من قبيل عطف الذات على الذات . ويجوز أن يراد بهما ذاتا واحدة ويكون العطف من قبيل عطف الصفة على الصفة مع اتحاد الموصوف فإن ما أظهره من المعجزات القاهرة كما توصف بأنها علائم مضافة إليه تعالى دالة على نبوته توصف أيضا بأنها سلطان له أي حجة بينة له يتسلط بها على من خالفه . قال الإمام : إن قيل إذا حملتم الآيات على المعجزات والسلطان على الدلائل ، والمبين أيضا على ما كان مبينا للظهور فما الفرق بين هذه المراتب ؟
قلنا : أما الآيات فاسم للقدر المشترك بين العلامات التي تفيد الظن وبين الدلائل التي تفيد اليقين ، وأما السلطان فهو اسم لما يفيد القطع واليقين إلا أنه مشترك بين الدليل القطعي الذي فيه جلاء وبين ما لا جلاء فيه . وأما السلطان المبين فهو مخصوص بما فيه جلاء ولما كان معجزات موسى عليه الصلاة والسّلام هكذا لا جرم وصفها اللّه تعالى بأنها سلطان مبين .
قوله : ( فاتبعوا أمره بالكفر بموسى ) عليه الصلاة والسّلام ومعجزاته . ويحتمل أن يكون المراد من الأمر الطريق والشأن وهو أنه كان دهريا نافيا للصانع والمعاد وكان يقول : لا إله للعالم ، وإنما يجب على أهل كل بلد أن يشتغلوا بطاعة سلطانهم وعبوديته . ومن المعلوم أن كل الرشد في معرفة اللّه تعالى وعبادته فمن كان نافيا لهذين الأمرين كان خاليا عن الرشد بالكلية .