لأنه قسيم له كقولك : ستعلم الكاذب والصادق ، بل لأنهم لما أوعدوه وكذبوه قال :
سوف تعلمون من المعذب وبالكاذب مني ومنكم . وقيل : كان قياسه ومن هو صادق بمنصرف الأول إليهم والثاني إليه لكنهم لما كانوا يدعونه كاذبا . قال : ومن هو كاذب على زعمهم
وَارْتَقِبُوا
وانتظروا ما أقول لكم
إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ
( 93 ) منتظر فعيل بمعنى الراقب كالصريم أو المراقب كالعشير والمرتقب كالرفيع .
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا
إنما ذكره بالواو كما في قصة عاد إذ لم يسبقه ذكر وعد يجري مجرى السبب له بخلاف قصتي صالح ولوط ، فإنه ذكر بعد الوعد
شرح
الفاء لاستلزام أن يكون الكلام استئنافا جوابا لما يقال : فماذا يكون إذا عملنا نحن على مكانتنا وأنت عملت على مكانتك ؟ أبلغ في باب التهويل من ربط الكلام بما قبله بالفاء السببية المؤذنة بكون ما قبلها سببا لما بعدها فإن سلوك طريق الاستئناف أن يكون المخاطب طالب لمعرفته بحالهم فيكون الجواب بالتهويل أوقع في ذهنه بخلاف ما لو ربط الكلام بلفظة الفاء . قوله : ( وقيل كان قياسه ومن هو صادق ) يعني أن قوله :اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌاشتمل على عمل الصادق والكاذب منه ومنهم ولم يذكر في قوله :سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌإلا عاقبة الكاذب منهم . والآية مسوقة لبيان ذكر عاقبة العاملين من الفريقين وذلك إنما يحصل بأن يقال : ومن هو صادق بدل ومن هو كاذب لينصر لي الأول إليهم والثاني إليه ، إلا أنه عدل عنه إلى ما وقع في النظم بناء على أن المراد من قوله :وَمَنْ هُوَ كاذِبٌالصادق لكن ذكر الكاذب موضع الصادق بناء على زعمهم من حيث إنه جرى على ألسنتهم دعاؤهم إياه عليه الصلاة والسّلام كاذبا . وقال صاحب الانتصاف : الظاهر أن الكلامين جميعا للكفار فقوله :مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِفيه ذكر جزائهم وقوله :وَمَنْ هُوَ كاذِبٌفيه ذكر جرمهم الذي هو الكذب فيكون من باب عطف الصفة على الصفة والموصوف واحد ، كما تقول لمن تهدده : ستعلم من يهان ومن يعاقب وإنما تعني المخاطب في الكلامين . وإذا ثبت صرف الكلامين إليهم لم يخل ذلك من الدلالة على ذكر عاقبة المحق الصادق لأن أحد الفريقين إذا كان مبطلا والآخر محقا تبين أن أحدهما يفهم منه ذكر الآخر تعريضا ، والتعريض أبلغ وأوقع من التصريح في كثير من المواضع وهذا منه . ولذلك لم يذكر عاقبة شعيب عليه الصلاة والسّلام استغناء عنها بذكر عاقبتهم . قوله :
( كما في قصة عاد ) وهو قوله تعالى :وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ[ هود : 58 ] ولم يسبق ذكر الوعد الجاري مجرى السبب الموفى به حتى تجيء الفاء السببية كما تقول : وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت . فإن قولك : فلما جاء الميعاد مرتب على الوعد فجيء بالفاء السببية لتدل على سببية الوعد وترتب المسبب عليه بل ذكر مجيء