تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 691

مساهمون:

ص٦٩١
وذلك قوله :
وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ
[ هود : 65 ] وقوله :
إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ
[ هود : 81 ] فلذلك جاء بفاء السببية
وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ
قيل : صاح بهم جبريل عليه السّلام فهلكوا
فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ
( 94 ) ميتين . وأصل الجثوم اللزوم في المكان .
كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها
كأن لم يقيموا فيها .
أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ
( 95 ) شبههم بهم لأن عذابهم أيضا كان بالصيحة غير أن صيحتهم كانت من تحتهم ، وصيحة مدين كانت من فوقهم . وقرىء « بعدت » بالضم على الأصل فإن الكسر تغيير لتخصيص معنى البعد بما يكون بسبب الهلاك والبعد مصدر لهما والبعد مصدر المكسور .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا
بالتوراة أو المعجزات
وَسُلْطانٍ مُبِينٍ
( 96 )
شرح
العذاب فيهما من غير أن يسبق ذكر الوعد به كأنه قصة بنفسها وما قبله قصة أخرى ، لكنهما متعلقان بقوم واحد فيهما مشتركان من وجه مفترقان من وجه آخر ، فكان المقام مقام الواو التي تعطف بها القصة على القصة بخلاف قصتي صالح ولوط عليهما الصلاة والسّلام فإنه سبق ذكر الوعد فيهما قال تعالى في قصة صالحفَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً[ هود : 65 - 66 ] وقال في قصة لوط عليه الصلاة والسّلام :إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها[ هود : 81 - 82 ] جيء بالفاء السببية فيهما غير أن صيحتهم كانت من تحتهم . روى الكلبي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : لم يعذب اللّه تعالى أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح عليهما الصلاة والسّلام ، أما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم . قيل : نشأت لهم سحابة فيها عذابهم ولم يعلموا أنها سحابة العذاب فصارت عليهم كهيئة الظلة فيها ريح فلما رأوها أتوها يستظلون تحتها من حر الشمس فأتتهم صيحة من تحتها فأهلكتهم فذلك قوله تعالى :فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ[ الشعراء : 189 ] . قوله : ( وقرىء بعدت بالضم ) الجمهور على كسر العين من « بعدت » على أنها من بعد يبعد بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع بمعنى هلك يهلك . أرادت العرب أن تفرق بين البعد بمعنى الهلاك وبين البعد الذي هو ضد القرب ، ففرّقوا بينهما بصيغة البناء فقالوا : بعد بالضم في ضد القرب ، وبعد بالكسر في ضد السلامة . والبعد بالضم والسكون مصدر لهما والبعد بفتحتين إنما يستعمل في مصدر مكسور العين . وقرىء بضم العين أخذا من ضد القرب لأنهم إذا هلكوا فقد بعدوا ومنه قول الشاعر :من كان بينك في التراب وبينه * شبر فذا في غاية البعد