مني في تحصيله .
وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
أي وما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه لاستبد به دونكم فلو كان صوابا لآثرته ، ولم أعرض عنه فضلا عن أن أنهي عنه يقال : خالفت زيدا إلى كذا إذا قصدته وهو مول عنه وخالفته عنه إذا كان الأمر بالعكس .
إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ
ما أريد إلا أن أصلحكم بأمري بالمعروف ونهي عن المنكر ما دمت أستطيع الإصلاح ، فلو وجدت الصلاح فيما أنتم عليه لما نهيتكم عنه . ولهذه الأجوبة الثلاثة على هذا النسق شأن وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة أهمها وأعلاها حق اللّه تعالى ، وثانيها حق النفس ، وثالثها حق الناس وكل ذلك يقتضي أن آمركم بما أمرتكم به وأنهاكم عما نهيتكم عنه . و « ما » مصدرية واقعة موقع الظرف .
شرح
شعيبا عليه الصلاة والسّلام دعاهم أولا إلى التوحيد ، ثم دعاهم إلى ترك البخس في المكيال والميزان على ما هو دأب الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام من أنهم يبتدئون بالدعوة ثم يشرعون فيما هو الأهم فالأهم ، وكان المعتاد من أهل مدين البخس والتطفيف فدعاهم إلى ترك هذه العادة بعد دعوتهم إلى التوحيد فأنكر قومه عليه ما وقع منه من هاتين الدعوتين قالوا : إنك سفيه متهتك تعمل ما بدا لك من غير روية وتأمل وضال عن الطريق بأن قالوا : إنك تدعى حليما رشيدا في قومك فكيف يليق بك أن تبادر إلى تغيير طريقتنا المألوفة في باب المعاملة بالأموال وفي عبادة الأوثان ؟ فأجابهم شعيب عليه الصلاة والسّلام بطريق إرخاء العنان والكلام المصنف كأنه قال : صدقتم فيما قلتم إني لم أكن مرشدا لكم حليما فيما بينكم لكن ما جئت به ليس غير الإرشاد والنصيحة ، انظروا بعين الإنصاف فإن كنت على نعمة جليلة من عند ربي وكنت نبيّا حقيقة ورزقني منه رزقا حسنا فكيف يسع لي أن أقدم على ما فعلته من النهي عن عبادة غير اللّه تعالى وعن البخس والتطفيف ونحو ذلك من المعاصي مع كثرة ما عندي من نعم اللّه تعالى الجسمانية والروحانية ؟ وهو تعالى قد أمرني بتبليغ رسالته وبيان ما شرعه من الأحكام المتعلقة بباب العبادات والمعاملات فكيف يتصور مني مع كثرة نعم اللّه تعالى على أن أخالف أمره وتكليفه ؟ قوله : ( يقال خالفت زيدا إلى كذا إذا قصدته وهو مولي عنه ) على أن يكون إلى كذا متعلقا بمحذوف هو حال من فاعل خالفت أي خالفته مائلا إلى ما هو مولي عنه . فمعنى الآية : ما أريد مخالفتكم مائلا إلى ما أنهاكم عنه . قوله : ( وخالفته عنه إذا كان الأمر بالعكس ) أي إذا وليت عنه وهو قاصده لأن مخالفة زيد موليا عن كذا إنما تكون بأن يقصده زيد . قوله : ( وما مصدرية ) يريد أن كلمة« ما »في قوله :مَا اسْتَطَعْتُيحتمل أن تكون مأولة بالزمان واقعة موقعه كما في نحو : آتيك خفوف النجم وصياح الديك أي مدة استطاعتي . ويحتمل أن تكون خبرية أي موصولة بمعنى « الذي » بدلا من الإصلاح