إخراج ما يقصد به الإصلاح كما فعله الخضر عليه السّلام . وقيل : معناه ولا تعثو في الأرض مفسدين أمر دينكم ومصالح آخرتكم .
بَقِيَّتُ اللَّهِ
ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزه عما حرم عليكم
خَيْرٌ لَكُمْ
مما تجمعون بالتطفيف
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
بشرط أن تؤمنوا فإن خيرتها باستتباع الثواب مع النجاة وذلك مشروط بالإيمان ، أو إن كنتم مصدقين لي في قولي لكم . وقيل :
البقية الطاعة لقوله :
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ
[ الكهف : 46 ] وقرىء « تقية اللّه » بالتاء وهي تقواه التي تكف عن المعاصي .
وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
( 86 ) أحفظكم عن القبائح أو أحفظ عليكم أعمالكم فأجازيكم عليها ، وإنما أنا ناصح مبلغ وقد أعذرت حين أنذرت ، أو لست بحافظ عليكم نعم اللّه لو لم تتركوا سوء صنيعكم .
قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا
من الأصنام . أجابوا به بعد أن أمرهم
شرح
فيكون قوله :وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَمنزلة أن يقال : ولا تفسدوا في الأرض مفسدين فما وجهه ؟ وتقريره : أن الفساد خروج الشيء عن الاعتدال اللائق فمعنى الآية : لا تخرجوا أشياء مما في الأرض عن الاعتدال وذلك الإخراج قد يكون لقصد الإصلاح كما فعله الخضر عليه الصلاة والسّلام من قتل الغلام وخرق السفينة ، وقد يكون لقصد الإضرار والإفساد كفعل الظلمة . والنهي عن الإفساد ههنا نهي عن الإفساد على الوجه الثاني فلذلك قيده بالحال . وتقرير الجواب الثاني أن الإفساد المقيد المنهي عنه غير الإفساد الذي وقع قيدا لأن المراد بالإفساد الأول إفساد حال الغير وبالإفساد الثاني إفساد حال نفسه مما يتعلق بأمر دينه ومصالح آخرته ، فإن من سعى في إفساد حال الغير فهو في الحقيقة ساع في إفساد نفسه . ولم يرض بهذا الجواب لقلة فائدة التقييد بالحال حينئذ . قوله : ( ما أبقاه لكم من الحلال ) إشارة إلى أن « بقية » فعيلة بمعنى المفعول وإضافتها للتشريف كما في بيت اللّه وناقة اللّه ، فإن ما بقي بعد الإيفاء فائدته وهي حصول الثواب والنجاة من العذاب والعقاب إنما تظهر مع الإيمان . فإن الكافر يخلد في عذاب النيران ومحروم من الرضوان وثواب الرحمن سواء أوفى الكيل والميزان أو سلك سبيل الخوان . قوله : ( أو إن كنتم مصدقين لي في قولي لكم ) أي أنكم تجتنبون عن التطفيف وتكتفون بما بقي لكم بعد الإيفاء . فإن جواب مثل هذا الشرط محذوف عند جمهور البصريين ، وإن ذهب آخرون إلى أن جوابه هو ما تقدم عليه .
وقال مجاهد : بقية اللّه أي طاعة اللّه خير لكم من ذلك القدر القليل لأن منفعة الطاعة تبقى أبدا . جعل البقية بمعنى الباقية وسمى الطاعة والعبادة التي يقصد بها وجه اللّه بقية لبقاء ثوابها ، فتكون الإضافة لتخصيص ثوابها للمكلف أبدا . ومنه قوله تعالى :وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ[ الكهف : 46 ] أي التي يبقى ثوابها من الأعمال ، فإن البقاء عبارة عن ثواب