تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 659

مساهمون:

ص٦٥٩
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ
تقريرا له . والمعنى أنكم وإن بذلتم غاية وسعكم لم تضروني فإني متوكل على اللّه وأثق بكلاءته وهو مالكي وما لكم لا يحيق بي ما لم يرده ولا تقدرون على ما لم يقدره . ثم برهن عليه بقوله :
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها
أي إلا وهو مالك لها قادر عليها يصرفها على ما يريد بها . والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك
إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( 56 ) أي إنه على الحق والعدل لا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم
فَإِنْ تَوَلَّوْا
فإن تتولوا
فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ
فقد أديت ما عليّ من إلا بلاغ وإلزام الحجة فلا تفريط مني ولا عذر لكم فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم .
وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ
استئناف بالوعيد لهم بأن اللّه يهلكهم ويستخلف قوما آخرين في ديارهم وأموالهم . أو عطف على الجواب بالفاء
شرح
وتثبطهم بالنصب عطفا على مواجهته والتثبط عن الأمر اشتغال عنه والكلاءة الحفظ . لما أجاب قوم هود إياه عليه الصلاة والسّلام بأن أقنطوه من إجابتهم وقالوا : إن بعض آلهتنا أصابك بجنون وأفسد عقلك لسبك إياها وصدك عن عبادتها وإلا فمن له عقل سليم لا يقدم على ما أنت عليه أجاب هود عليه الصلاة والسّلام بقوله :فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِعن قولهم :إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍوقوله :إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِمقدمة وتمهيد للجواب . فإنهم لما سموها آلهة وأثبتوا لها الضرر نفى بقوله :أُشْهِدُ اللَّهَالآية كونها آلهة رأسا ثم نفى الضرر بقوله :فَكِيدُونِيثُمَّ لا تُنْظِرُونِعلى أبلغ وجه . ولما ورد أن يقال : إن قوله :وَاشْهَدُواعطف على قوله :أُشْهِدُويمنع من عطفه عليه أمران : الأول أن الطلب لا يعطف على الخبر والثاني أن عطفه عليه يستلزم أن يكون الطلب خبرا وهو غير جائز . وبيان الملازمة أن « أشهد » خبر لكلمة « أن » فما عطف عليه يكون خبرا أيضا ، فالظاهر أن يقال : إني أشهد اللّه وأشهدكم . أشار إلى جوابه ببيان الفرق بين إشهاد اللّه تعالى وإشهاده إياهم بأن إشهاد اللّه تعالى إشهاد على التحقيق جيء به ليؤكد به ما ذكره من البراءة من شركهم وشركائهم بخلاف إشهاده إياهم على البراءة فإنه ليس إشهادا على التحقيق إذ لا يقول أحد لمن يعاديه : أشهدك على أنني بريء منك إلا وهو يريد عدم المبالاة ببراءته والاستهانة بعداوته . فلما اختلف الإشهاد أن في المعنى خولف بينهما في الصيغة فجيء بصيغة الأمر ، وإن كان المراد بها الخبر لأن الجملتين إذا اختلفتا خبرا وطلبا فلا بد أن يقدر الطلب بالخبر أو بالعكس . قوله : ( والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك ) فإن الناصية عند العرب الشعر في مقدم الرأس ويسمى الشعر النابت هناك أيضا ناصية تسمية له باسم منبته . والأخذ بناصية الإنسان عبارة عن قهره والغلبة عليه وكونه في قبضة الآخذ بحيث تناله قدرته كيف شاء . والعرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة والخضوع لرجل